احمد احمد بدوي

24

من بلاغة القرآن

فالحقيقة الجغرافية لمنابع النيل معروفة ، ولكن عظمة النيل وجلال ما له من أياد ، حتى لكأنه يفيض سلسبيلا من عليا الجنان ، أوحيا إلى شوقى بهذا التساؤل الشعرى البارع . تلك هي علوم الأدب ، أما الأدب نفسه : شعره ونثره ، ففن من الفنون الجميلة ، وهو لذلك ينبع من الموهبة ، ويفيض من الفطرة ، ثم تسدده هذه العلوم وتهدى خطاه ، وإن نظرة إلى تلك العلوم نفسها ، تجعلنا نؤمن بأن الناقد حين ينقد ، في حاجة إلى تلك العلوم نفسها ، عند تقدير النص الأدبي وتقويمه ، ومن أجل هذا صح لنا القول بأن تلك علوم الأدب : إنتاجا ونقدا ، فالناقد ، فضلا عن حاجته إلى العلوم اللغوية ، في حاجة - كالأديب - إلى الإلمام بمختلف الثقافات ، حتى يستطيع أن يحكم على النص حكما صادقا خالصا . أما النقد نفسه فكالأدب ، فن من الفنون ، يعتمد على الموهبة والفطرة ، ويتكئ على ما قدمنا من العلوم ، لبيان وجه جمال الجميل ، وقبح القبيح . وقد طال الحديث عن صلة النقد بالذوق ، حتى لقد قيل إن النقد يعتمد على الذوق وحده ، وهذا صحيح إلى حد كبير ، فهذا الذوق هو الملكة الموهوبة ، التي يستطاع بها تقدير الأدب الإنشائى ، وإننا إذا تدبرنا حقيقة الأمر ، رأينا أن كل تعليل بلاغى ، هو تفسير لهذا الذوق السليم ، وتعليل عقلي له ، فليس تعليلك لجمال النص بأن فيه إيجازا ، أو إطنابا ، أو حذفا ، أو تقديما ، سوى تفسير عقلي لذوقك الذي أحس بجمال النص . وإذا كانت الملكات في النفوس كالبذور ، تحتاج إلى التربة الصالحة ، والغذاء والماء فكذلك ملكة الأدب ونقده ، في حاجة إلى الري ، والغذاء ، وذلك إنما يكون بدراسة ما أسلفناه من علوم ، وبالتملؤ من الأدب القوى ، وبالقراءة الأدبية الفاحصة ، والمران على تقويم النصوص ، والبحث عن أسرار جمالها ، ومناحى لونها ، وبذلك يقوّم الذوق ويستقيم حكمه . غير أن هذه التربة الصالحة التي يجب أن يغتذى الذوق منها ، تحتاج إلى جهد جهيد ، وتضافر قوى الباحثين والدارسين ، حتى تصبح صالحة ، لإنتاج أبرك الثمرات ، ذلك أن من علوم النقد ما تم نضجه ، فلم يعد في حاجة لغير تنظيمه ، حتى يصبح الانتفاع به ميسورا كعلم النحو ، والصرف ، والعروض ، والقافية ، ومنها ما لم ينضج بعد ، بل هو في حاجة إلى معاودة النظرة ، لتخليصه مما علق به مما ليس منه ، ولتصحيح أخطاء مضى عليها الزمن ، حتى استقرت صحتها في