احمد احمد بدوي

20

من بلاغة القرآن

وكقول الشاعر : دببت للمجد ، والساعون قد بلغوا * جهد النفوس ، وألقوا دونه الأزرا وكابدوا المجد ، حتى مل أكثرهم * وعانق المجد من أوفى ومن صبرا لا تحسب المجد تمرا ، أنت آكله * لن تبلغ المجد حتى تعلق الصبرا وأكثر ما يحرك الأدب الإرادة من غير أن يأمرها بذلك ، كما في الروايات التمثيلية الخلقية والاجتماعية ، وكما في كثير من الشعر ، وربما كان هذا هو ما حدا بالأقدمين إلى أن يوصوا أولادهم بحفظه ودراسته ، بل ربما كان هو المعنى الذي لاحظوه عندما وضعوا لهذا اللون من القول الجميل اسم الأدب . قال معاوية لابنه : يا بنى ارو الشعر ، وتخلق به ، فلقد هممت يوم صفين بالفرار مرات ، فما ردني عن ذلك إلا قول ابن الأطنابة : أبت لي همتي ، وأبى بلائي * وأخذى الحمد بالثمن الربيح وإقدامي على المكروه نفسي * وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جأشت وجاشت * مكانك ، تحمدى ، أو تستريحى لأدفع عن مكارم صالحات * وأحمى بعد عن عرض صحيح وأنت ترى الشعر نفسه لا يطلب إقداما ، ولا يحث على ثبات ، ولكنه حديث عن هذا النزاع الذي دار بنفس قائله ، وهو في ميدان القتال ، وكيف استطاع أن يثبت في هذا الميدان ، يحمله على الثبات ماض ملىء بالجهاد ، وهمة تأبى النقيصة ، وقلب موكل باكتساب المجد ، ونفس اعتادت الإقدام على المكارم ، وضرب هامات الأبطال ؛ دفاعا عن مآثره ، وحماية لعرضه ، وليس في الشعر سوى هذا . ولكن معاوية رأى في صاحبه بطلا جديرا بالاقتداء . وبما قدمناه يتبين أن الخلاف على أن الإصلاح الاجتماعي من أهداف الأدب خلاف ظاهري يزيله تحديد معنى الأدب ، وتحديد مجاله ، أما وقد قلنا : إن كل ما في الحياة يصلح أن يكون موضوعا للأدب ، على أن يتناول من ناحية إحساس الأديب ، بما فيه من جمال أو قبح ، فلا ضير على الأديب إذا أن يتناول مسألة خلقية أو اجتماعية يعالجها ، أو أن يدعو إلى فضيلة ، أو ينهى عن مأثمة ، على شريطة أن يكون ذلك من تجاربه ، وأن يثير فينا الوجدان فيرضى فنعمل ، أو يكره فنكف . الأديب حر في أن يتناول ما يشاء من تجاربه ، من غير أن نضع له خطة ينتهجها ، وكل ما نطالبه به أن يرسم لنا شعوره ، ولذا نرى من الأدباء من أحس بجمال المشورة فمدحها ، كبشار بن برد ، إذ قال :