يوسف حسن نوفل

66

من المكتبة القرآنية

وقلب ديارهم عليهم . بأن جعل عاليها سافلها ، والخسف بهم إلى أسفل سافلين . وعذب قوم شعيب بالنار التي أحرقتهم وأحرقت تلك الأموال التي اكتسبوها بالظلم والعدوان . وأما ثمود فأهلكوا بالصيحة فماتوا في الحال . فإذا كان عذاب هؤلاء - وذنبهم مع الشرك عقر الناقة التي جعلها الله آية لهم - فمن انتهك محارم الله واستخف بأوامره ونواهيه ، وعقر عباده ، وسفك دماءهم ، كان أشد عذابا . ومن اعتبر أحوال العالم قديما وحديثا ، وما يعاقب به من سعى في الأرض بالفساد ، وسفك الدماء بغير حق ، وأقام الفتن واستهان بحرمات الله ، علم أن النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكانوا يتقون . ( قلت ) وقد يظهر في تخصيص ثمود هاهنا بالذكر ، دون غيرهم ، معنى آخر ، وهو أنهم ردوا الهدى بعد ما تيقنوه وكانوا مستبصرين به ، قد ثلجت له صدورهم ، واستيقظت له أنفسهم ، فاختاروا عليه العمى والضلالة ، كما قال تعالى في وصفهم وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ( فصلت : 17 ) وقال وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً أي موجبة لهم التبصرة واليقين ، وإن كان جميع الأمم المهلكة هذا شأنهم . فإن الله لم يهلك أمة إلا بعد قيام الحجة عليها ، لكن خصت ثمود من ذلك الهدى والبصيرة بمزيد . ولهذا لما قرنهم بقوم عاد قال فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ثم قال وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ( فصلت : 15 ، 17 ) ولهذا أمكن عادا المكابرة ، وأن يقولوا لنبيهم ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ ( هود : 53 ) ولم يمكن ذلك ثمود ، وقد رأوا البينة عيانا ، وصارت لهم بمنزلة رؤية الشمس والقمر ، فردوا الهدى بعد تيقنه والبصيرة التامة ، فكان في تخصيصهم بالذكر تحذير لكل من عرف الحق ولم يتبعه . وهذا داء أكثر المهالكين ، وهو أعم الأدواء وأغلبها على أهل الأرض . واللّه أعلم » . 12 - ثلاث رسائل في إعجاز القرآن : وهي لكل من : الرماني : وهو أبو الحسن علي بن عيسى الذي ولد سنة 296 ه بمدينة سامرا ببغداد ، وقد كان محبّا للعلم ، ولقب بالنحوى المتكلم شيخ العربية ت 386 ه . والخطابي : وهو أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي