عبد العال سالم مكرم

29

من الدراسات القرآنية

خوف عمر بن الخطاب ، وأبى بكر الصديق لما استحرّ القتل بالقراء يوم اليمامة . . وسبب الخوف هو قتل القرّاء الذين كانوا قد حفظوا القرآن ولو كان القرآن قد جمع ، وكتب لما كانت هناك علة لخوفهما » « 1 » . راعني هذا القول ، وأطلت التفكير فيه ، ولم أجد سببا قويا يحمل هؤلاء المستشرقين إلى هذا القول الباطل غير التشكيك في النص القرآني ، لأن الذاكرة مهما كانت قوية ، فإنها لا تستطيع أن تحتفظ بما لديها فترة طويلة ، ومعنى ذلك أن القرآن الكريم يكون شأنه في مجال الذاكرة والحفظ شأن الشعر المروى عرضة للزيادة والنقص بل عرضة للتغيير والتبديل . وفي رأيي إن الدليل مفقود في هذه القضية ، فليس المراد من الأحاديث التي تقول : إن النبي عليه السلام قبض ، ولم يجمع في القرآن شيء ، أن القرآن لم يكن مكتوبا حين ذاك ، بل المراد أن القرآن الكريم لم يجمع في مصحف ، وقد قدمت السبب في ذلك ، فتفسير المستشرقين لهذه الأحاديث أو الأخبار بهذا المعنى الذي يتخيّلونه تفسير خاطئ وراءه الغرض الخفي ، وهو اهتزاز الثقة بالنص القرآني ، على أنه ليس هناك أصرح من الروايات التي تؤيد كتابة القرآن في عهد الرسول عليه السلام ، والتي تؤكد : « أن القرآن كان مجموعا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأنه ما نزلت آية الا وقد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من يكتب له أن يضعها في موضع كذا من سورة ؛ كذا » « 2 » . وأما خوف عمر بن الخطاب ، وأبى بكر الصديق حين استحر القتل بالقراء يوم اليمامة فالاستدلال به في غير موضعه ، لأن خوفهما زيادة تحر في صيانة القرآن الكريم وحفظه ليلتقى المحفوظ بالمكتوب وذلك لأن طريقة أداء هذا المكتوب لا يتأتى إلا عن طريق التلقين والرواية ، ومن ثم نشأ خوف الخليفتين الجليلين من أن يموت القراء ، فتتعثر طريقة الأداء « 3 » .

--> ( 1 ) المصاحف لابن أبي داود ص 5 . ( 2 ) المرجع السابق والصفحة . ( 3 ) مقدمتان في علوم القرآن ص 27 .