عبد العال سالم مكرم
142
من الدراسات القرآنية
وللّه درّ أبى سليمان الخطابي فقد أعطانا صورة واضحة عن الغريب في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أحب أن أعرضها على القارئ ليقف على حقيقة هذا الغريب في ضوء الشرح والتحليل والتعليل . قال رحمه اللّه : « ثم إن الغريب من الكلام على وجهين : أحدهما : أن يراد به بعيد المعنى غامضه ، لا يتناوله الفهم إلا عن بعد ومعاناة فكر . والوجه الآخر : أن يراد به كلام من بعدت به الدار ، ونأى به المحلّ من شواذّ قبائل العرب ، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربناها وإنما هي كلام القوم وبيانهم . وعلى هذا ما جاء عن بعضهم ، وقال له قائل : أسألك عن حرف من الغريب ، فقال : هو كلام القوم ، إنما الغريب أنت وأمثالك من الدخلاء فيه » . ولم يكتف الخطابىّ بتعريف الغريب من الكلام بل أعطانا صورة أخرى علّل فيها كثرة الغريب في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيقول . « إنه صلّى اللّه عليه وسلم بعث مبلغا ومعلّما ، فهو لا يزال في كل مقام يقومه وموطن يشهده يأمر بمعروف ، وينهى عن منكر ، ويشرع في حادثة ، ويفتى في نازلة ، والأسماع إليه مصغية ، والقلوب لما يرد عليها من قوله واعية . وقد تختلف عنها عباراته ، ويتكرّر فيها بيانه ، ليكون أوقع للسامعين ، وأقرب إلى فهم من كان منهم أقل فقها ، وأقرب بالإسلام عهدا ، وأولو الحفظ والإتقان من فقهاء الصحابة يرعونها كلها سمعا ، ويستوفونها حفظا ، ويؤدونها على اختلاف جهاتها ، فيجتمع لذلك في القضية الواحدة عدة ألفاظ تحتها معنى واحد ، وذلك كقوله : « الولد للفراش » وللعاهر الحجر » وفي رواية أخرى : « وللعاهر الأثلب » « 1 » وقد مرّ بمسامعى ولم يثبت عندي : « وللعاهر الكثكث » « 2 » .
--> ( 1 ) في القاموس : الأثلب : التراب والحجارة ، وكذلك الكثكث . ( 2 ) من كتاب : « غريب الحديث لأبى سليمان الخطابي مخطوط بالمكتبة السلمانية - نفلا من مقدمة الزميل الدكتور محمود الطناحى لكتاب : « منال الطالب في شرح طوال الغرائب » .