عبد العال سالم مكرم

134

من الدراسات القرآنية

ويروى الخطيب البغدادي عن أبي هريرة قال : « خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ونحن نكتب الأحاديث ، فقال : ما ذا الذي تكتبون ؟ قلنا : أحاديث سمعناها منك قال : أكتابا غير كتاب اللّه تريدون ؟ ما أضل الأمم من قبلكم إلّا ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب اللّه » قال أبو هريرة : أنتحدث عنك يا رسول اللّه ؟ قال : نعم تحدثوا عنى ولا حرج ، فمن كذب على متعمّدا فليتبوّا مقعده من النار » « 1 » . على أن هناك أحاديث أخرى تبيح الكتابة ، ولا تمنع التقييد سجّلها الرواة . ومن هذه الأحاديث ما يأتي : عن أبي هريرة قال : « ما أحد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أكثر حديثا منى إلا ما كان من عبد اللّه بن عمرو فإنه كان يكتب » « 2 » . عن مجاهد أنه قال : « رأيت عند عبد اللّه بن عمرو صحيفة فسألته عنها ، فقال : هذه الصادقة ، فيها ما سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وليس بيني وبينه فيها أحد » « 3 » . في ضوء هذه الأحاديث أستطيع أن أقول : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم حرص كل الحرص على سلامة النص القرآني حتى لا يتسرب إليه شئ من كلام البشر كي لا تضل أمته ، ويبقى كتاب ربها مصونا من التحريف ، مبرّأ من الخطأ ، محصنا بسياج منيع من الدقة والعناية والرعاية والضبط والإتقان . والسؤال الذي يتطلبه الموقف هنا . أليس في هذه الأحاديث تناقض ؟ كيف يجيز النبي صلّى اللّه عليه وسلم الكتابة لجماعة من الصحابة ، ويمنعها عن جماعة أخرى ؟ في الحقيقة نحن نبرّئ كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من التناقض ، فالمواقف تتغير ، ولكل موقف ما يناسبه من القول ، فالنهي في رأيي خاص بهؤلاء الذين لا يميزون بين كلام اللّه تعالى ، وكلام الرسول ، وأصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليسوا على درجة واحدة في مستوى الكتابة ، فحتى لا يفتح الباب على مصراعيه ، ويتعدّد الكاتبون ، منع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم الكتابة منعا عاما ، ورخصها لقوم أتقنوها وأجادوها ، فهم مأمونون من الخلط بين قول اللّه تعالى وقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلم .

--> ( 1 ) تقييد العلم للخطيب البغدادي / 29 . ( 2 ) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر 4 / 112 . ( 3 ) الطبقات الكبرى لابن سعد 7 / 189 .