عبد العال سالم مكرم

13

من الدراسات القرآنية

كثير وليس منكرها كافرا ولا فاسقا ولا مغتمزا في دينه ، وإنما هي قراءات مصدرها اللهجات واختلافها ، للناس أن يجادلوا فيها ، وأن ينكروا بعضها وقد حاولوا فيها بالفعل وتماروا ، وخطأ فيها بعضهم بعضا ، ولم نعلم أن أحدا من المسلمين كفر أحدا لشئ من هذا ، وليست هذه القراءات بالأحرف السبعة التي أنزل عليها القرآن » « 1 » . إن كل كلمة في هذا النص تحمل دليل زيفها ، وحجة بطلانها ، وهذا حكم ظالم صدر من غير تروّ في القضية ، بل من غير دراسة لها ، ولم يكن كما يجب أن يكون . نعم قد تكلم الباحثون قبله من علماء الفكر الإسلامي في القراءات ، واختلفت آراؤهم حولها ، وبخاصة في معنى الأحرف السبعة ، هذا الاختلاف الذي عرضه السيوطي في كتابه « الإتقان » فبلغ أربعين رأيا ، ولكن لم نجد من هذه الآراء المتعدّدة رأيا واحدا يقول مثل هذا القول المجحف . وثمة دليل آخر يؤيد ما ذهبت إليه من أن القراءات ليس مرجعها اللغات المختلفة للقبائل على الإطلاق من غير أن تقيد بالسند أو الرواية . . أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه اختلف مع هشام بن حكيم في قراءة سورة الفرقان - كما سبق بيانه - وكلاهما قرشي ، فبم نفسر هذا ؟ هل اختلفت قريش وهي قبيلة واحدة في قراءتها ؟ . مرجع ذلك في رأيي أن أحدهما سمع من النبي صلّى اللّه عليه وسلم قراءة بعض آيات من سورة الفرقان بلهجة ما ، وسمعها الثاني بلهجة أخرى ، فأخذ كل منهما بالقراءة التي سمعها ، وهذا لا يتنافى في أنهما قرآ بغير لهجتهما ، لأن القرآن الكريم لم تنزل كل كلمة فيه بلهجات متعدّدة ، وإنما نزل بعض آياته ببعض اللهجات فحفظها الصحابة كما سمعت بغض النظر عن تلاقيها مع لهجتهم أو عدم تلاقيها . ويقرر الرافعي أن القراءات ترجع إلى عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وعهد أصحابه فيقول : « يرجع عهد القراء الذين أقاموا الناس على طرائقهم في التلاوة إلى عهد الصحابة رضى اللّه عنهم ، فلقد اشتهر بالإقراء منهم سبعة ، عثمان ، وعلى ، وأبى ، وزيد بن ثابت ، وابن مسعود ، وأبو الدرداء ،

--> ( 1 ) في الأدب الجاهلي : للدكتور طه حسين ص 95 ، طبع دار المعارف بمصر .