عبد العال سالم مكرم
122
من الدراسات القرآنية
على أني لا أذهب بعيدا إذا قلت : إننا لو تتبعنا تراثنا الشعرى والنثرى في العصر الجاهلي عن طريق استيعاب هذا التراث مخطوطه ومطبوعه لرأينا طائفة من الألفاظ العربية لم تسجلها المعاجم التي بين أيدينا مما يؤيد القول السابق المشهور لأبى عمرو بن العلاء ، ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقول : إن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يجب أن تدرس الحياة الجاهلية في مرآته كما قال المرحوم الدكتور طه حسين في كتابه : ( في الأدب الجاهلي ) . « القرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي » « 1 » . ولعل الدكتور طه حسين يعنى أننا لا نعرف الكثير عن الحياة العربية في العصر الجاهلي إلا عن طريق القرآن الكريم : وهذه حقيقة لا يختلف فيها اثنان ، ولكنه إن أراد أن العرب لا يملكون تراثا شعريا موثقا قبل الإسلام فهذا ما ننكره ، لأن القرآن نفسه أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن القرآن نزل بلسان عربى مبين ، والإبانة تعنى وضوح العبارة ، وبلاغة التعبير ، وقوة التأثير ، ومن هنا كان التحدي المعجز لأرباب البيان ، وفرسان التحدي المعجز لأرباب البيان ، وفرسان البلاغة . وللّه درّ أبى سليمان الخطابي حين عرض لقضيّة الإعجاز في بيان رائع حيث يقول : « إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد تحدى العرب قاطبة بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عنه ، وانقطعوا دونه ، وقد بقي صلّى اللّه عليه وسلم يطالبهم به مدّة عشرين سنة ، مظهرا لهم النكير ، زاريا على أديانهم ، مسفها آراءهم وأحلامهم حتى نابذوه وناصبوه الحرب ، فهلكت فيه النفوس ، وأريقت المهج ، وقطعت الأرحام ، وذهبت الأموال . ولو كان ذلك في وسعهم . وتحت أقدارهم لم يتكلفوا هذه الأمور الخطيرة . . ولم يكونوا تركوا السّهل الدّمث من القول إلى الحزن الوعر من الفعل ، هذا ما لا يفعله عاقل ، ولا يختاره ذو لب ، وقد كان فيهم الخطباء المصاقع ، والشعراء المفلقون ، وقد وصفهم اللّه تعالى في كتابه بالجدل واللّدد ، فقال سبحانه : ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ « 2 » . وقال سبحانه : وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا « 3 » . . إلى أن يقول : « ومعلوم أن رجلا عاقلا لو عطش
--> ( 1 ) في الأدب الجاهلي 7 للدكتور طه حسين . ( 2 ) الزخرف 58 . ( 3 ) مريم 97 .