عبد العال سالم مكرم
11
من الدراسات القرآنية
أن يقول البصير للأعمى : قد غلبتك بنظرى لأن الأعمى يقول له : إنما تتم لك الغلبة إذا كنت قادرا على النظر وكان نظرك أقوى من نظري ، أما إذا فقد أصل النظر فكيف تصح المعارضة » « 1 » . من هذا نرى أن الحديث يريد أن يبين أن القرآن الكريم نزل بهذه اللهجات المتعددة للإعجاز كما قلت ، وليتيح للعرب من ناحية أخرى التدبر في معانيه ، وكثرة التلاوة فيه ، لأنه يحتوى من لهجاتهم ما يتيح لهم هذا النفع الكبير منه ، ولكن هذه اللهجات ليست كثيرة للحد الذي يطغى على لهجة قريش ، فإن لهجة قريش هي اللهجة الغالبة ومعظمه نزل بها ، لأنها قبيل الإسلام « أصبحت اللغة السائدة في المواسم والأسواق وعلية القوم من الفصحاء الذين لم ينتموا إلى قريش كانوا يتخذون لغة قريش لغة الأدب والشعر . . كذلك كان لا بد لأولئك الشعراء الذين جاءوا من بيئات متباينة أن ينظموا شعرهم بلغة خالية من عنعنة أو عجعجة ، أو كشكشة لينالوا إعجاب سامعيهم ، ولا يكونوا موضع سخريتهم وهزئهم ، وإلا فكيف كان من الممكن أن يفضل شاعر على شاعر في تلك المناظرات إذا كان المقياس مختلفا وأداة القول متباينة ، ولهذا توحّدت القبائل في لغة أدبية ممتازة ، مختارة الألفاظ ، يعمد إليها الشاعر أو الخطيب كلما عنّ له القول ، وتلك كانت اللغة النموذجية » « 2 » . ومن حق القارئ أن يسأل : إذا كان الأمر كذلك في نزول القرآن الكريم بلهجة قريش وغيرها فهل معنى ذلك أن القارئ غير القرشي يقرأ بلغته أو بلهجته التي تعود بها النطق كما يدعى ذلك بعض العلماء من المحدثين ؟ وللإجابة عن هذا التساؤل أقول : لم تكن قراءة القرآن الكريم تجرى على ألسنة العرب على اختلاف قبائلهم باللهجات التي نشئوا عليها ، لأن في ذلك الفوضى التي لا حدّ لها في كتاب اللّه الذي تعهد سبحانه بحفظه وصيانته على الرغم من كرّ الأعوام وتتالى القرون : « إن نحن نزّلنا الذكر ، وإنا له لحافظون » .
--> ( 1 ) نقلا من مقال للمرحوم الشيخ عبد الجواد رمضان : القرآن واللغة ، مجلة الأزهر : المجلد 22 ص 600 . ( 2 ) من كتاب اللهجات العربية : للدكتور إبراهيم أنيس ص 27 ، 28 ، بتصرف وتلخيص .