عبد العال سالم مكرم

105

من الدراسات القرآنية

وقد وضع صاحب كتاب مفتاح السعادة : ميزانا دقيقا لتعريف الإخلاص فيقول : « إن الإخلاص هو النية بشرط كون الباعث واحدا فقط ، فمن صام للقربة ، وقصد معه الحمية ، أو حج للقربة مع قصد صحة المزاج بحركة السفر ، أو تعلم العلم للّه مع قصد العز بين العشيرة ، ونحو ذلك من أمثال هذه الخطرات التي يخف معها العمل ، فقد خرج بهذه عن الإخلاص ، وتطرق إليه الشرك ، ولما كان الإنسان قلما ينفك عن أمثال هذه الحظوظ قيل : « من سلم له في عمره لحظة واحدة خالصة لوجه اللّه تعالى فقد نجا » « 1 » . وهؤلاء المفسرون العصريون الذين يحسون بالحظوظ النفسية حينما يتعرضون لكتاب اللّه مفسرين وشارحين - مغرورون ، يملأ الكبر جوانب نفوسهم ، لأن الحظوظ النفسية تغلق أبواب المعرفة أمام المفسر ، فيهرف بما لا يعرف ، ويخبط خبط عشواء . ومن أجل ذلك يشترط العلماء في المفسر أن يخلص للّه ، ويتجرد من الهوي ، ويصفى قلبه من شوائب الحياة ، لأن القرآن الكريم لا يعطى معانيه ، ولا يكشف أسراره إلا لهؤلاء الذين رسخوا في العلم ، ومرنوا على التقوي ، ودرّبوا على مجاهدة النفس . يقول صاحب « مفتاح السعادة » : « . . . ولعل العمر لو أنفق في استكشاف أسرار القرآن ، وما يرتبط بمقدماتها ولواحقها لانقطع العمر قبل استيفائها ، وما من كلمة في القرآن إلا تحقيقها محوج إلى مثل ذلك وإنما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بعد غزارة علومهم ، وصفاء قلوبهم ، وتوافر دواعيهم على التدبر ، وتجردهم للطلب . وأما الاستيفاء فلا مطمع فيه ، ولو كان البحر مدادا ، والأشجار أقلاما لنفد البحر قبل أن تنفد أسرار القرآن » . 8 - ومن أدوات المفسر ألا يطلب الدنيا بعلمه ، لأن الدنيا والآخرة كالضرتين متى أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ، وككفتى ميزان في رجحان إحداهما خفة الأخرى ، وكالمشرق والمغرب يستلزم قرب أحدهما البعد من الآخر . فكيف يعد من زمرة العلماء المفسرين من أكل الدنيا بعلمه كما قيل : وراعى الشاة يحمى الذئب عنها * فكيف إذا الرعاة لها ذئاب ولعلى بهذا القدر أكون قد ألقيت ضوءا كاشفا حول أدوات المفسر من وجهة نظري .

--> ( 1 ) مفتاح السعادة ج 3 ص 532 .