عبد الفتاح اسماعيل شلبي

87

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

غرق أبو علي في نعمهم ، فلما ذا لا يكون تشيعه حقيقة كما انتهيت إليه - لا مصانعة ؟ وهل يخفى على البويهيين تصنعه ، والتصنع ثوب يشف عما تحته ؟ ! ثم ما الذي يدعوه أن يصانع ؟ وما ذا تكون العاقبة لو أن البويهيين - وهم غلاة في التشيع - كشفوا ما وراء هذا التصنع ؟ لقد كان عضد الدولة شيعيا من قوم شيعيين « 1 » . حتى أنه اتخذ كاتبا من قم المشهورة بالتشيع هو : « أبو الحسن القمي « 2 » » . وهكذا كان يصطفى عضد الدولة المتشيعين ، وكان أبو علي مصطفى من المصطفين ، فهو شيعي حقا في غير مواربة أو مصانعة ، إلى أن عضد الدولة كان متيقنا صفاء الطوية من أبى على « 3 » . وهكذا كانت القضية التي ساقها الأساتذة المحققون تحمل في طياتها دليل نقضها وبطلانها . ولم يتبع السادة الأساتذة القضية بالدليل ، ولكني وجدتهم بعد صفحات ثمان يذكرون القصة الآتية دليلا على أن ابن جنى كان لا يسلم من حسد معاصريه : ذلك أن ابن جنى كان يوما في « زبزب » مع الرضى والمرتضى العلويين ، وكان على ابن عيسى الربعي يمشى حينئذ على شاطئ النهر ، فلما رآهم قال للعلويين : من أعجب أحوال الشريفين أن يكون عثمان ( ابن جنى ) جالسا معهما في الزبزب ، وعلى يمشى على الشط بعيدا منهما « 4 » ، وفي رواية أن المرتضى قال للملاح حين سمع ذلك منه : « جد وأسرع قبل أن يسبنا » . ثم علقوا على هذه القصة بما فهموه منها : حيث قالوا : « ويفهم من هذا ما هو مذكور عن الربعي هذا من أن به لوثة ، وجسارة ، وبدوات لا تؤمن ، وأنه كان شيعيا ، وأن ابن جنى لم يكن شيعيا « 5 » . وأنت ترى أن القصة لا تنتهى بنا إلى هذه النتيجة التي انتهى السادة الأساتذة إليها ؛ بل هي دليل على ثبوت التشيع عند ابن جنى ، ولا تنفيه عنه ، فهو مع شريفين شيعيين ، ولا يؤول كلام الربعي بأنه شيعي ، وابن جنى غير ذلك ؛ فالرواية التي اعتمدوا عليها لا تؤيد شيئا مما فهموه ، ورواية ابن الأنباري في نزهة الألباء « 6 » تثبت تشيع الربعي ، ولا تنفى تشيع ابن جنى ، فكلام الربعي أشبه بالعتب على المرتضى ، ونص في الحسد لابن جنى دون التعرض لشيعيته . واللّه أعلم .

--> ( 1 ) انظر ابن الأثير 6 / 146 . ( 2 ) معجم الأدباء 12 / 83 . ( 3 ) انظر معجم الأدباء 7 / 237 . ( 4 ) أقول يفهم من نص الأنباري في نزهة الألباء ص 235 - 226 أن اليوم كان شديد الحر وأن الربعي قال : يا مرتضى ما أحسن هذا التشيع ! على تتقلى كبده في الشمس من شدة الحر . . . الخ . ( 5 ) مقدمة سر صناعة الاعراب 41 - 42 . ( 6 ) انظر نزهة الألباء : 225 ، 226 .