عبد الفتاح اسماعيل شلبي

42

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

حتى القراء كالكنانى المتيم بصبابة المغنية « 1 » ولعل ظهور هذا الانحراف عند هؤلاء وهؤلاء كان من قبيل المجاراة ولم يكن عن رغبة نابعة في نفوسهم إلى الشهوة . وفي بغداد في القرن الرابع الهجري ؛ كان درب السلق « 2 » ودار القطن « 3 » وباب الطاق « 4 » ، وبين السورين ، ودرب الزعفراني « 5 » محلات للغناء والخلاعة والرقص . وهذا أبو حيان يلقى ضوءا على هذه الحياة فيقول : بعد أن عدّد كثيرا من الاطراب والأغانى : « ولو ذكرت هذه الاطراب من المستمعين ، والأغانى من الرجال والصبيان والجواري والحرائر لطال وأمل ، وزاحمت كل من صنف كتابا في الأغانى والألحان ، وعهدي بهذا الحديث سنة ستين وثلاثمائة . وقد أحصينا ونحن جماعة في الكرخ - أربعمائة وستين جارية ، ومائة وعشرين حرة ، وخمسة وتسعين من الصبيان البدور ، يجمعون بين الحذق والحسن والظرف والعشرة ، هذا سوى من كنا لا نظفر به ، ولا نصل إليه لعزته وحرصه ورقبائه ، وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء ، وبالضرب إلا إذا نشط في وقت ، أو ثمل في حال ، وخلع العذار في هوى قد حالفه وأضناه ، وترنم وأوقع ، وهز رأسه ، وصعد أنفاسه ، وأطرب جلاسه ، واستكتمهم حاله ، وكشف عندهم حجابه « 6 » . . . وهذا المقدسي - وقد زار العراق وجنوب فارس في العهد البويهي - يحدثنا عن الفساد الشائع في أهل شيراز القريبة من مولد أبى على « 7 » وللصاحب بن عباد على جلال قدره شعر في الذكران « 8 » مما يدل على شيوع هذه الغلاميات في غير تحرز أو حياء عند ذوى المكانة من الأمراء والوزراء فكيف بالسوقة وطغام الناس والسفهاء ؟ ! على أن لكل موجة من الهوى والمجون في كل عصر ما يقابلها من الهدى والصلاح ، وقد ظهر في ذلك العصر زهاد ونساك وصوفية ووعاظ ومتعبدة ، بل حنابلة متشددة ، يحدثنا أبو الفداء في تاريخه عن حوادث سنة 323 ه أن قد عظم أمر الحنابلة على الناس ، وصاروا يكبسون دور القواد والعامة ، فإن وجدوا نبيذا

--> ( 1 ) الإمتاع 2 / 182 . ( 2 ) الإمتاع 2 / 165 . ( 3 ) الإمتاع 2 / 167 . ( 4 ) الإمتاع 2 / 169 . ( 5 ) 2 / 171 . ( 6 ) الإمتاع 2 / 138 . ( 7 ) انظر أحسن التقاسيم 429 . ( 8 ) انظر يتيمة الدهر 3 / 12 وما بعدها .