عبد الفتاح اسماعيل شلبي

462

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

ولما سمع الفرزدق ينشد : وعض زمان يا ابن مروان لم يدع * من المال إلا مسحتا أو مجلف قال ابن أبي إسحاق ، على أي شئ ترفع أو مجلف ، قال : على ما يسوؤك وينوؤك « 1 » ، وهكذا تتحرج العلائق بين الفرزدق الشاعر ، وابن أبي إسحاق النحوي على ما تصوره هذه الإجابة ، وما يشير إليه قول الفرزدق يهجو ابن أبي إسحاق : فلو كان عبد اللّه مولى هجوته * ولكن عبد اللّه مولى مواليا « 2 » فيقول ابن أبي إسحاق : « وقد لحنت أيضا في قولك : موالى مواليا ، وكان ينبغي أن تقول مولى موال « 3 » . ويقول الدكتور الحاجرى تعليقا على ذلك ، ولم يلتفت ابن إسحاق إلى شئ من هذا الهجاء ، كأنما هو لا يعيبه ، وإنما همه من هذا الشعر هذا المأخذ النحوي الجديد يهاجمه به ، وبشهره عليه ، إذ كان ينبغي أن يقول : مولى موال لا مولى مواليا « 4 » . وأنا أخالف الدكتور الحاجرى فيما قرره من أن ابن أبي إسحاق لم يلتفت إلى هذا الهجاء ، بل لقد التفت إليه ، ورد عليه ، بأوجع من الهجاء ، وصوب إليه سهام التخطئة ، ورماه باللحن الذي كانوا يتحرجون منه أشد الحرج ، ويودون أن لو جرت ألسنتهم بالعربية الخالية منه ، وقد خضع الفرزدق نفسه للنحاة فأصلح من شعره على الوجه الذي ارتضوه وإن يكن ذلك بعد إلحاح تارة مثل عدوله في مدحه ليزيد إلى قوله : « على زواحف نزجيها محاسير « 5 » » أو التماس لهذا الإصلاح في غيظ تارة أخرى كما رأوا أن الفرزدق لما أخذ عليه بيت في شعره قال : « أين هذا الذي يجر خصيبه في هذا المسجد ! ؟ » يعنى ابن أبي إسحاق « 6 » . ومهما يكن من أمر فخضوع الفرزدق دليل على سلطان النحو والنحاة وتحكمهم في الشعر والشعراء من هذه الفترة في تاريخ العربية « 7 » . وقد بقيت أثارة من سلطان النحاة على الشعراء في العصر العباسي ، فالخليل يعد الشعراء تبعا إن رضى عنهم نفقت بضاعتهم وإلا حل بها وبهم البوار : أورد

--> ( 1 ) نزهة الألباء 13 . ( 2 ) الفهرست 62 . ( 3 ) نزهة الألباء 12 . ( 4 ) في تاريخ النقد : 120 . ( 5 ) أخبار النحويين البصريين 27 وطبقات الزبيدي 26 . ( 6 ) طبقات الزبيدي : 27 . ( 7 ) راجع تاريخ النقد الأدبي لطه الحاجرى : 118 - 121 .