عبد الفتاح اسماعيل شلبي

457

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

ومنذ أن ألف الكتاب ، يتخذه النحويون إماما ، ويعدونه قرآنا « 1 » ، ويعجبون به على اختلاف مذاهبهم : فالمازنى البصري يستعظم أن يعمل أحد كتابا كبيرا بعد كتاب سيبويه « 2 » ، والمبرد - وهو بصرى أيضا - يسميه البحر تعظيما « 3 » ، والفراء الكوفي يكون في ميراثه الكتاب وهي النسخة التي أهداها الجاحظ إلى محمد بن عبد الملك « 4 » ، وقد كانت بخط الفراء ، ومقابلة الكسائي « 5 » . وقد وجد تحت وسادة الفراء التي كان يجلس عليها فيما حكاه أحمد أبو جعفر النحاس « 6 » ، فلا غرو إذن أن دارت دراساتهم حوله ، وتركز نشاط النحويين فيه ، يشرحونه ويعلقون عليه ، ويمهدون له ، ويرتبون مسائله « 7 » ويكون لأبى على الفارسي ( 377 ه ) نشاط في هذا المجال ، ويقفى قفو السابقين له من العلماء ، كالمازنى ( 247 ه ) والمبرد ( 285 ه ) والزجاج ( 311 ه ) والأخفش ( 316 ه ) ويدير أبو علي الفارسي حديثه في مسائله - غالبا - حول عبارات الكتاب والاحتجاج به ، والانتصار له على النحو الذي سأعرضه إن شاء اللّه « 8 » وإن يكن هناك تقدم سجله النحويون بعد سيبويه فهو في تحويل فتاوى سيبويه إلى قواعد وقوانين ، ثم تلا ذلك الحديث عن العوامل فكانت كتب الأصول في النحو . قالوا : « ما زال النحو مجنونا حتى عقله ابن السراج « 9 » » ، والتوسع في فلسفة النحو ، أو التعليل لمسائله ، وذلك أثر من آثار اصطباغ الحياة العلمية بالصبغة الفلسفية وذيوع مناهج المتكلمين والمناطقة بين النحاة والباحثين ، وقد أورد أستاذنا في كتابه « سيبويه أمام النحاة » ما يجلى به الفرق بين المنهجين : منهج سيبويه ومنهج النحاة من بعده في هذه التعليلات « 10 » ومن هنا ألفت - بعد سيبويه غالبا - كتب تحمل أسماء العلل ، والعامل ، والقياس ، والمقاييس النحوية . . . الخ على النحو الذي بسطت في موضع آخر من هذا

--> ( 1 ) مراتب النحويين الورقة 106 . ( 2 ) الفهرست 77 . ( 3 ) بغية الوعاة : 366 . ( 4 ) تاريخ بغداد : 12 / 196 . ( 5 ) وفيات الأعيان : 3 / 133 . ( 6 ) طبقات الزبيدي : 73 . ( 7 ) انظر سيبويه امام النحاة 186 - 188 . ( 8 ) انظر الكلام عن هذه المسائل في موضعها من هذا البحث . ( 9 ) نزهة الألباء : 169 . ( 10 ) انظر ص 163 - 166 .