عبد الفتاح اسماعيل شلبي
433
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
فانظر معي إلى ذلك التقسيم ، وما فيه لأبى الأسود من عقل رجيح ، ثم تدبر تعبيره آخر الأمر : « ولما أفدتك إياه في عقلك خير لك من مال أبى الأسود » فهو بهذا يدل على أن كلامه كلام حكيم يقوّم الفطن ، ويثقف العقول ، وفيما روى لنا من شعر أبى الأسود يدل على نزعته التي إليها أشرت ؛ اقرأ قوله . إذا كنت مظلوما فلا تلف راضيا * عن القوم حتى تأخذ النصف واغضب وإن كنت أنت الظالم القوم فاطرح * مقالتهم ، واشغب بهم كل مشغب وقارب بذى جهل ، وباعد بعالم * جلوب عليك الحق من كل مجلب فان حدبوا فاقعس ، وإن هم تقاعسوا * ليستمكنوا مما وراءك فاحدب ولا تدعني للجور ، واصبر على التي * بها كنت أقضى للبعيد على أبى فانى امرؤ أخشى إلهي ، وأتقى * معادى ، وقد جربت ما لم تجرب « 1 » ففي هذا النص ما يدل على صائب النطق ، وصدق الحكم ، والتجربة التي تبعث الحكمة ، وهي معان سأعتمد عليها في التدليل على ما أذهب إليه من رأى . أما طبيعة عمله فهو لا شك يحس جلال العمل الذي ندب إليه ، أنه عمل يتعلق بكتاب اللّه ، وهو أمر خطير يدعوه إلى زيادة اليقظة ، وعميق الملاحظة ، وفضل التأمل . . إنه سيعرب القرآن بنقطة ، وسيقوم بذلك في جميع القرآن فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره « 2 » وإذن مر بكثير من المرفوعات ، وبعدد ضخم من المجرورات ، وبمثل ذلك من المنصوبات والمجزومات ، أفلا يهديه الحس اللغوي ، والمنطق الفطري إلى جمع الأشباه والنظائر تحت حكم عام ، ووضعها في قاعدة واحدة ، قاعدة بدائية ! ؟ وأبو الأسود الذي استطاع أن يعقد قياسا - بالملحظ الطارئ العابر بين قوله : فان يك حبهم رشدا أصبه * ولست بمخطئ إن كان غيا وقوله تعالى : « وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » « 3 » ، ألا يستطيع - مع فضل التأمل ، واستجماع دواعي التثبت ، وتعدد الأشباه والنظائر ، وخطر العمل الذي ينهض به أن يلحظ عمل الحروف جارة ، وناصبة ، وجازمة . . فيما يتوارد عليه من القرآن الكريم ؟ ! وإنك لتقرأ الربع الأول من سورة البقرة . . الربع الأول فقط . . فتجد من حروف الجر الذي يقتضى وضع نقطة تحت الحرف ما يأتي :
--> ( 1 ) الأغانى : 11 / 104 . ( 2 ) نزهة الألباء 6 . ( 3 ) سيبويه امام النحاة ص 135 .