عبد الفتاح اسماعيل شلبي

432

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

عمله الذي تولاه تؤديان بنا إلى التسليم بأنه هو الذي أسس العربية ، وفتح بابها ، وأنهج سبيلها ، ووضع قياسها « 1 » . أما فيما يتعلق بطبيعة أبى الأسود ، فقد حكى عنه أنه كان بخيلا « 2 » ، والبخل يدعو إلى التزام الدقة والتحري والضبط ، ثم هو قاض محكم « 3 » ، والقاضي بحكم عمله يقيس الأشباه والنظائر ، ويبدو لي أنه لم يحكم من الناس ، ولم يرشح للقضاء إلا لأنه مأنوس منه دقة النظرة ، وصدق الحكومة . ومن دليل تحريه ، والتزامه الدقة فيما يأتيه أن طلب من زياد أن يبعث إليه ثلاثين رجلا ، فأحضرهم زياد ، فاختار منهم أبو الأسود عشرة ، ثم ما زال ينخلهم حتى اختار منهم رجلا من عبد القيس « 4 » ، فانظر معي كيف يظل يمتحن هؤلاء الرجال الثلاثين ، فيصطفى منهم عشرة بادئ الرأي ، ثم يمعن في التصفية حتى يستقر على رجل واحد يضع فيه ثقته ، ويتوسم منه لقانته ؟ ! وهكذا حقق ما كان يبغيه في الرجل الذي يعاونه إذ قال لزياد : « فليبغنى الأمير كاتبا لقنا يفعل ما أقول « 5 » » ! وقد روى أبو الفرج عن شيوخه ما يدل على بخله ، ونزعته المنطقية معا . قالوا : « كان بين بنى الدئل وبين بنى ليث منازعة ، فقتلت بنو الديل منهم رجلا ، ثم اصطلحوا بعد ذلك على أن يؤدوا ديته ، فاجتمعوا إلى أبى الأسود يسألونه المعاونة على أدائها ، وألح عليه غلام منهم ذو بيان وعارضه ، فقال له « يا أبا الأسود ! أنت شيخ العشيرة وسيدهم ، وما يمنعك من معاونتهم قلة ذات يد ولا سؤدد ، . . . » فلما أكثر أقبل عليه أبو الأسود ثم قال له : « لقد أكثرت يا بن أخي : فاسمع منى : إن الرجل واللّه ما يعطى ماله إلا لاحدى ثلاث خلات : إما رجل أعطى ماله رجاء مكافأة ممن يعطيه ، أو رجل خاف على نفسه فوقاها بماله ، أو رجل أراد وجه اللّه وما عنده في الآخرة ، أو رجل أحمق خدع عن ماله ، واللّه ما أنتم أحد هذه الطبقات ، ولا جئتم في شئ من هذا ، ولا عمك الرجل العاجز فينخدع لهؤلاء ، ولما أفدتك إياه في عقلك خير لك من مال أبى الأسود لو وصل إلى بنى الدئل ، قوموا إذا شئتم ! » فقاموا يبادرون السباب « 6 » .

--> ( 1 ) مقدمة طبقات الشعراء لابن سلام . ( 2 ) الأغانى 11 / 104 ط الساسى . ( 3 ) المصدر السابق ص 105 . ( 4 ) نزهه الألباء ص 6 . ( 5 ) الفهرست ص 60 . ( 6 ) الأغاني : 11 / 103 .