عبد الفتاح اسماعيل شلبي
33
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
في الانحلال والضعف ، فقد ولد في أخريات القرن الثالث الهجري - في أوائل خلافة المعتمد على اللّه ، ثم نسأ اللّه في أجلة فعاش حتى أوائل الربع الأخير من القرن الرابع الهجري ، وإذن فقد رأى الدولة العباسية ، وقد تناثرت في هذه الدويلات التي استقل بها الأمراء في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه . وكانت هذه الدولة تتنازع مجد العلم والأدب كما نتنازع السلطان ، وآتت عناية الخلفاء في العصر العباسي الأول بالحركة الفكرية - أكلها في ذلك الحين ، وكانت عجلة التقدم العلمي لا تزال دائرة في عصر الدويلات فكانت عهودها خيرا وبركة على العلم والعلماء ، والأدب والأدباء ؛ بما رأى القائمون على أمر هذه الدولة من ملوك ووزراء أن التفاف الشعراء والكتاب والعلماء حولهم مظهر من مظاهر السلطان ، وحلية من حلى الزمان ، وسبيل إلى اكتمال أبهتهم ، وذيوع شهرتهم . حتى رأينا من لا يحسن العربية يزين ملكه بهؤلاء من رؤوس العلم والأدب في زمنه . استدعى بحكم التركي حاكم واسط « 1 » ، وأمير بغداد والعراق أبا بكر محمد ابن يحيى « 2 » الصولي ، وكان مقربا إليه ، وقال له : « إن أصحاب الأخبار رفعوا إلىّ أنى لما طلبتك من المسجد ( وكان الصولي يقرأ درسا فيه ) قال الناس : « أعجله الأمير ولم يتم مجلسنا ، أفتراه يقرأ عليه شعرا أو نحوا أو يسمع من الحديث ؟ » ( يقولون ذلك تهكما ببجكم لأنه لا يحسن العربية ) ، ثم قال بجكم ردا على هذا : « أنا إنسان ، وإن كنت لا أحسن العلوم والآداب أحب ألا يكون في الأرض أديب ، ولا عالم ، ولا رأس في صناعة إلا كان في جنبتي وتحت اصطناعى ، وبين يدي لا يفارقني » « 3 » . فانظر كيف بلغت به رغبته في اجتذاب العلماء مع ما فيه من عجمة لا تبين ، ولا يرجى معها فهم شعر أو نحو أو استماع إلى المحدثين ؟ على أن منهم - إلى جانب ذلك - من كان عالما محبا للعلماء راغبا في الاستفادة من علمهم ، وهذا عضد الدولة يناقش أبا على الفارسي مناقشة العالم ؛ ويستقل كتاب الإيضاح منه « 4 » ، وقد حكم الأستاذ براون في كتابه التاريخ الأدبي للفرس أن السلطان محمود بن سبكتكين علم أن في مجلس مأمون بن مأمون جماعة من رجال
--> ( 1 ) الأوراق ص 195 . ( 2 ) وفيات الأعيان 1 / 411 . ( 3 ) الأوراق ص 195 وظهر الاسلام ج 1 ص 95 . ( 4 ) شذرات الذهب ج 3 / 88 .