عبد الفتاح اسماعيل شلبي
383
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
ومن الحق أن أشير إلى أن بعض هذه الأصول من مبتكرات ابن جنى ، واستنباطاته وبعضها الآخر بنى على كلام شيخه الفارسي ، وأقيم عليه ، فهو يروى - مثلا - عن أبي على استحسانه لمذهب الكسائي في قوله . إذا رضيت علىّ بنو قشير * لعمر اللّه أعجبني رضاها ويورد كلامه في أنه عدى رضى بعلى كما تعدى نقيضتها وهي سخطت به ثم يخلص من ذلك إلى تأصيل أصل هو « إذا جاز أن يجرى الشيء مجرى نقيضه فاجراؤه مجرى نظيره أسوغ » ثم يبنى على ذلك الأصل قوله . وفيه غيره على سمت ما كنا بصدده ، وذلك أنه إذا رضى عنه فقد أقبل عليه فكأنه قال . إذا أقبلت على بنو قشير » وهو غور من أنحاء العربية ظريف ولطيف ومصون وبطين « 1 » . وبعد : فهذا ابن جنى في كتاب المحتسب ، وذلك مبلغ تأثره بأبى على سلبا وإيجابا ، ويعد الكتاب في جملته - وعلى نحو ما - أثرا من آثار أبى على ، وسيرا في طريق الاحتجاج الذي سار فيه الشيخ من قبل في كتابه الحجة ، بل إن ابن جنى كان مدفوعا - كما بينت في صدر هذا الفصل - إلى التأليف فيه بما خطر لأبى على في نفسه ، وهجس به خاطره ، وقد رأينا أوجه التخالف البعيدة بينه وبين شيخه ، وما تخالف فيه هو والشيخ بمقدار ، كما عرضت لأوجه التشابه بينهما . وإن كان لا بد - في خاتمة هذا الفصل - من كلمة مجملة تختصر ما بين الرجلين من توافق وتخالف في الاحتجاج فاليك هذا الحديث : « 2 » . واضح أن ابن جنى يحتج للشواذ ، أما أبو علي فإنه يحتج لقراءات الأئمة السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد . وقد تكفل أبو بكر بن مجاهد في كتاب القراءات بايراد أوجه الاختلاف مسندة إلى أصحابها ، أما ابن جنى فإنه بحث هذه الأوجه وساقها هو دليلا على جهده . وقد رأينا ابن جنى لا تنثال عليه الشواهد كما تنثال على أستاذه ولعل لطبعة البحثين أثرا في ذلك ، ثم إن لهجات القبائل ظهرت في كتاب المحتسب على صورة أوسع من ظهورها في كتاب الحجة ، ويقابل هذا أن المتن اللغوي عند أبي على ظهر واضحا في احتجاجه ، دعاه إليه - فيما دعاه - حبه للاستطراد .
--> ( 1 ) 1 / 32 . ( 2 ) كل ظاهرة من هذه الظواهر - من توافق أو تخالف - عللت لها من قبل والمقام هنا مقام جمع لما مضى من غير تعليل أو تدليل .