عبد الفتاح اسماعيل شلبي

374

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

عليهم بنو تغلب فطردوهم من البحرين فساروا إلى العراق ، وملكوا الكوفة والبلاد الفراتية ، وتغلبوا على الجزيرة والموصل ، وملكوا تلك البلاد ، وكان منهم المقلد وقرواش وقريش وابنه مسلم ملوك الموصل ، وبقيت بأيديهم حتى غلبهم عليها ملوك بنى ساجوق « 1 » والعراق ، والبلاد الفراتية ، والجزيرة ، والموصل كلها شهدت ابن جنى متنقلا فيها بل إن الموصل موطنه ومسقط رأسه وإليها ينسب « 2 » . وإذن فقد أراد ابن جنى أن يستمع إلى الفصحاء ويشافههم ، ويسلك سنة الأئمة الأولين كالخليل بن أحمد ، ومن لف لفه في الأخذ عن الأعراب في البوادي « يحدث غلمانهم ، ويطاول شيوخهم . وهذا ما تراه باديا في مثل قوله : » ورأيت كثيرا من عقيل لا أحصيهم « 3 » . « أو يقول : » حضرني قديما بالموصل أعرابي عقيلى جوشى تميمي يقال له محمد بن العساف الشجري ، وقلما رأيت بدويا أفصح منه ، فقلت له يوما شغفا بفصاحته ، والتذاذا بمطاولته ، وجريا على العادة معه في ايقاظ طبعه ، واقتداح زند فطنته « 4 » « والق بالك إلى وصف ابن العساف بالفصاحة ، ثم إلى ما يقرره ابن جنى من تلذذه بمطاولته ، وأن ذلك عادة جرى عليها معه » . . . وينتفع ابن جنى بذلك في تقرير خصائص العربية ، والاحتجاج للقراءات المروية ، وكثيرا ما كان يذهب إلى هؤلاء الأعراب في بواديهم ، يرصد أحاديثهم ، ذلك قوله : سمعت غلاما حدثا من عقيل وكنا مصحرين « 5 » ، أو سألت غلاما من آل المهيا فصيحا « 6 » وقد كثر سماعه « 7 » ، ومسألته « 8 » للشجرى أبى عبد اللّه ، ومحمد بن العساف « 9 » . * * * وبعد ، فقد كانت استعانة ابن جنى باللهجات العربية المختلفة في الاحتجاج للقراءات الشاذة أكثر من استعانة شيخه أبى على في احتجاجه لقراءات السبعة . ويبدو ذلك أمرا طبيعيا يسير التعليل ، ذلك أن القراءات الشاذة كانت صورة للهجات مفرقة في قبائل متعددة ، ولم يرزق كثير من هذه القبائل حظا من الشهرة بين العرب ، فشذذت القراءات التي تصور لهجات هذه القبائل ، وكان عمل ابن جنى تصحيح النظر إلى هذه القراءات فجاء حديثه عن لهجات القبائل على صورة أوسع من حديث شيخه أبى على الذي احتج لقراءات تتصل بلهجات قبائل مشهورة فأغناه ذلك عن الإشارة إليها ، أو ذكر أسمائها .

--> ( 1 ) انظر الخصائص : 1 / 409 . ( 2 ) صبح الأعشى : 1 / 342 . ( 3 ) نزهة الألباء : 220 . ( 4 ) المحتسب : 1 / 197 . ( 5 ) معجم الأدباء : 12 / 105 . ( 6 ) الخصائص : 1 / 80 . ( 7 ) الخصائص 80 ، 409 والمحتسب 1 / 197 . ( 8 ) الخصائص : 1 / 342 . ( 9 ) معجم الأدباء : 2 / 105 والخصائص 78 .