عبد الفتاح اسماعيل شلبي
369
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
وابن جنى في سبيل الاحتجاج للقراءات يستفتى كل شيخ يعين ، ويأتنس بكل رأى يؤيد ، ويستشهد بلهجات القبائل يعتمد عليها في تقرير ما هو بسبيله من احتجاج ، ومن أجل ذلك تراه يتخلى عن العصبية المذهبية ، أو الآراء الطائفية ، ما دام ذلك يحقق له ملاك هدفه في كتابه المحتسب ؛ وهو توثيق القراءات التي عدها غيره شواذ : فرجال البصرة ورجال الكوفة البغداديون كل أولئك عنده سواء ، يستشهد بسيبويه ، كما يستشهد بالكسائى وثعلب في غير موالاة أو معاداة ، ويثني على الكسائي ، كما يثنى على إمام النحاة ، ويقرر الحقيقة غير متحيز إلى فئة : احتج لقراءة : « وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ » بأنها جاءت على خدعته لما كان معناه معنى انتقصته نفسه . ثم قال : ورأيت أبا على ( رحمه اللّه ) بذهب إلى استحسان مذهب الكسائي في قوله : إذا رضيت علىّ بنو قشير * لعمر اللّه أعجبني رضاها لأنه قال : عدى رضيت بعلى كما تعدى نقيضتها وهي سخطت به ، وكان قياسه رضيت عنى وإذا جاز أن يجرى الشيء مجرى نقيضه فاجراؤه مجرى نظيره أسوغ ، فهذا مذهب الكسائي وما أحسنه « 1 » ! ! وانظر بعد ذلك استشهاده بالكسائى في توجيه قراءة : « وهذا بعلى شيخ » « 2 » وهو في هذا ونحوه يعتد بالكسائى حتى أنه ليروى قول الكناني يمدح الكسائي : أبى الذم أخلاق الكسائي وانتهى * به المجد أخلاق الأبو السوابق « 3 » ولكنه يتخلى عن هذه النزعة ، ويلبس ثوب بصيرته ، ويهاجم الكسائي لاذعا ، وذلك حيث يقول الكسائي في قول عنترة : ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها * قيل الفوارس ويك عنتر ! أقدم أراد ويلك ثم حذف اللام . فلا يقبل ابن جنى تأويل الكسائي أو تعليله ، فيقول : « وهذا يحتاج إلى خبر نبي ليقبل » « 4 » ! !
--> ( 1 ) / 33 . ( 2 ) 1 / 405 . ( 3 ) 1 / 395 . ( 4 ) 2 / 201 .