عبد الفتاح اسماعيل شلبي
360
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
ويبدو في هذا النص أيضا « المنطق الخفيف » الذي يستقرئ الأمثلة ، ويستعرض المقدمات ؛ ليستنبط منها النتائج . . . في غير جفاف ، ولا إرهاق ، ولا تعمل . ( و ) وهو في نص آخر يتحدث عن « التجريد » حديث الأديب العالم في تدين وخضوع ، ويتناوله بروح الناقد الموازن المستعرض للنظائر من الشعر القديم ، وشعر المولدين ، في منطق لا يجفو عن القراء ، ولا ينبو على الأسماع ، ويخرّج القراءة الشاذة تخريجا متضمنة البلاغة في التعبير ، ويرجحها بذلك على القراءة السبعية : « ومن ذلك قراءة الحسن ( رضى اللّه عنه ) ؛ « اهدنا صراط المستقيم » قال أبو الفتح : ينبغي أن يكون أراد - واللّه أعلم - : التذلل للّه سبحانه ، وإظهار الطاعة له ، أي قد رضينا منك يا ربنا بما يقال له صراط مستقيم « ولسنا نريد المبالغة في قول من قرأ : الصراط المستقيم ، أي الصراط الذي قد شاعت استقامته ، وتعولمت في ذلك حاله وطريقته ، فان قليل هذا منك لنا زاك عندنا ، وكثير من نعمتك علينا ، ونحن له مطيعون ، وإلى ما تأمر به ، وتنهى فيه صائرون . وزاد في حسن التفكير هنا ما دخله من المعنى ، وذلك أن تقديره : « أدم هدايتك لنا » ، فإنك إذا فعلت ذلك بنا فقد هديتنا إلى صراط مستقيم فجرى حينئذ مجرى قولك : لئن لقيت رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) لتلقين منه رجلا متناهيا في الخير ، ورسولا جامعا لكل الفضل ، فقد آلت به الحال إلى معنى التجريد كقول الأخطل : بنزوة لص بعد ما مر مصعب * بأشعث لا يفلى ، ولا هو يقمل ومصعب نفسه هو الأشعث ، وعليه قول طرفة : جازت القوم إلى أرحلنا * آخر الليل بيعفور خدر وهي نفسها عنده اليعفور . أنشدنا أبو علي : أفاءت بنو مروان ظلما دماءنا * وفي اللّه ان لم يحكموا - حكم عدل وهو سبحانه أعرف المعارف ، وقد سماه الشاعر حكما عدلا ، فأخرج اللفظ مخرج التنكير ، فقد ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى التعريف ، وفيه مع ذلك لفظ الرضا باليسير . وإذا جاز أن يرضى الانسان من مخلوق مثله بما رضى به الشاعر من محبوبه بما دل عليه قوله : ( أنشده ابن الأعرابي ) : وإني لأرضى منك يا ليل بالذي * لو ابصره الواشي لقرت بلابله بلا ، وبألا أستطيع ، وبالمنى * وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله وبالنظرة العجلي ، وبالحول ينقضى * أواخره لا نلتقى وأوائله