عبد الفتاح اسماعيل شلبي

358

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

وكذلك أيضا قد ترى إطالة الصوت بقوله من بعده : بلى إنها تعفو الكلوم وإنما * توكل بالأدنى ، وإن جل ما يمضى أفلا تراه لما أكذب نفسه ، وتدارك ما كان أفرط فيه لفظه أطال الإقامة على قوله بلى ؛ رجوعا إلى الحق عنده ، وانتكاثا عما كان عقد عليه يمينه ، فأين قوله هنا « فوالله » وقوله « بلى » منهما في قوله : لا واللّه ، وبلى اللّه ؟ وعليه قوله تعالى : « ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان » ، أي وكدتموها وحققتموها ، وإذا أوليت هذا أدنى تأمل عرفت منه وبه ما نحن بسبيله ، وعلى سمته ، وعلى هذا قال سيبويه : إنهم يقولون سير عليه ليل يريدون « ليل طويل » وهذا إنما يفهم عنهم بتطويل الياء فيقولون : سير عليه ليل ، فقامت المدة مقام الصفة ، ومن ذلك ما تستعمله العرب من اشباع مدات التأسيس ، والردف ، والوصل ، والخروج ، عناية بالقافية ؛ إذ كانت للشعر نظاما ، وللبيت اختتاما ، أخبرنا أبو أحمد الطبراني عن شيخ له ذكره عن البحتري قال : سمعت ابن الاعرابى يقول : استجيدوا القوافي ؛ فإنها حوافر الشعر ، وقال له الشجري في بعض كلامه : « القافية رأس البيت » ، وهذا ليس نقضا للأول ، وإنما غرضه فيه أنها أشرف ما فيه ، كما أن حوافر الفرس هي أوثق ما فيه ، وبها نهوضه ، وعليها اعتماده ، ولقد تغنى يوما خفير لنا بشعر مؤسس نحو قوله : « ألا عللانى قبل يوم العواذل » فلعهدى به وهو يمطل الألف حتى يخطو به فرسه الخطوة والعشرين . ولولا ظاهر ما في القول لقلت الأكثر . فإذا تجاوز الألف أسرع عند الدخيل فاختلس الذال والروى بعدها ، وكان أيضا يمده بتقبل صدى صوته مع تماديه واغتراق أقصى النفس فيه ما كان يعطيه إياه نقل الفرس به ، فان ذلك كان يهز الألف ويصنعها ويزيل تحيرها والساذجية المملولة عنها . . . وإذا كان جميع ما أوردناه ونحوه مما استطلناه فحذفناه يدل على الأصوات تابعة للمعاني فمتى قويت قويت ، ومتى ضعفت ضعفت . . . علمت أن قراءة من قرأ يا حسره على العباد بالهاء ساكنة إنما هو لتقوية المعنى في النفس ، وذلك أنه موضع وعظ وتنبيه ، وايقاظ وتحذير ، فطال الوقوف على الهاء كما يفعله المستعظم للأمر المتعجب منه ، الدال على أنه قد بهره ، وملك عليه لفظه وخاطره ، ثم قال من بعد على العباد عاذرا نفسه في الوقوف على الموصول دون صلة لما كان فيه ، ودالا للسامع على أنه إنما تجشم ذلك على حاجة الموصول إلى صلته ، وضعف الاعراب وتحجره على جملته ؛ ليفيد السامع منه ذهاب الصورة