عبد الفتاح اسماعيل شلبي
355
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
قيل : هذا وإن كان على ما ذكرته فان فيه غرضا من موضع آخر ، وذلك أنه إذا نصب على ما ذكرت فإنه لا يعدم دليل العناية به وهو تقديمه في اللفظ منصوبا ، وهذه صورة انتصاب الفضلة مقدمة ؛ لتدل على قوة العناية به ، لا سيما والفعل الناصب له لا يظهر أبدا مع تفسيره فصار كأن هذا الفعل الظاهر هو الذي نصبه وكذلك يقول الكوفيون أيضا ، فإذا ثبت بهذا كله قوة عنايتهم الفضلة حتى ألغوا حديث الفاعل معها ، وبنوا الفعل لمفعوله فقال : « ضرب زيد » حسن قوله تعالى : « وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها » لمكان الغرض فيه أنه قد عرفها وعلمها وأنس أيضا علم المخاطبين بان للّه سبحانه هو الذي علمه إياها بقراءة من قرأ « وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها » ونحوه قوله تعالى : « إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً » وقوله تعالى « خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ » هذا مع قوله : « خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ » وقال سبحانه « خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ » وقال تبارك اسمه : « خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ » فقد علم أن الغرض بذلك في جميعه أن الانسان مخلوق ومضعوف ، وكذلك قولهم : ضرب زيد ، إنما الغرض منه أن يعلم أنه قد ضرب ، وليس الغرض أن يعلم من الذي ضربه ، فان أريد ذلك ولم يدل عليه فلا بد أن يذكر الفاعل فيقال : « ضرب فلان زيدا ، فإن لم يفعل كلف علم الغيب « 1 » » ! ! وقد قصدت قصدا إلى نقل ذلك النص بتمامه - كما قصدت إلى نقل نصوص أخرى في هذا الفصل - ؛ ليتضح أسلوب ابن جنى في تناوله المسائل العلمية ، ثم لا يغنى في هذا النص جزء من جزء ، فتفهمه والتعليق عليه يدعوان إلى قراءته جملة واحدة دون بتر أو اكتفاء ، ويبدو من هذا النص : أولا - ما أشرت إليه منذ حين إلى أن ابن جنى إذا ما أحس أنه سيتناول فكرة مبتكرة يستقل بها عن شيوخه نبه إليها بمثل قوله هنا : « ينبغي أن يعلم ما أذكره » أو نحو ذلك . ثانيا - هذا الأسلوب القوى الأسر في مسألة من مسائل النحو ، ويكفى أن ترجع إلى قوله مثلا : « فإن تظاهرت العناية به عقدوه على أنه رب الجملة . . . » أو قوله : « ولم يرضوا له بهذه المنزلة حتى صاغوا الفعل له وبنوه على أنه مخصوص به » ثم هذه المقابلة في تفسير التعبيرين : « رغبت في زيد » و « رغبت عنه » فالأول « يفيد
--> ( 1 ) 1 / 49 - 53 .