عبد الفتاح اسماعيل شلبي

347

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

مدى تأثر ابن جنى بأبى على في المحتسب وابن جنى أمين جدا فيما ينقله عن أبي على ، تراه يدل على القدر الذي استعان به فيه ، وينبه عليه ، ثم يزيد هو من عنده معقبا ، أو معلقا ، أو خارجا ، فالمسائل والأصول لأبى على فيها النصيب الموفور ، ولكن ابن جنى يضعها في بوتقة من فكره وتعليقه ، فيخرجها بعد ذلك أوضح أسلوبا ، وأسد نظرا ، وأشد تحقيقا ، وأوثق صلة بروح العربية وخصائصها . تراه مثلا يقول : « وحدثني أبو علي بكذا وكذا ، ثم ينبه على ما انتهى إليه حديث الشيخ بقوله مثلا : « هذا آخر الحكاية عن أبي على - ويزيد على ذلك ما قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد « 1 » . أو يقول مثلا : « وروينا عن أبي زيد فيما أخذناه عن أبي على ، وعن غير أبى زيد كذا وكذا « 2 » . . . واقرأ قوله : « ورأيت أبا على ( رحمه اللّه ) يذهب إلى استحسان مذهب الكسائي في قوله : إذا رضيت على بنو قشير * لعمر اللّه أعجبني رضاها لأنه قال : « عدى رضيت بعلى كما تعدى نقيضتها وهي سخطت به ، وكان قياسه رضيت عنى ، وإذا جاز أن يجرى الشيء مجرى نقيضه فإجراؤه مجرى نظيره أسوغ وإلى هنا ينتهى الأصل الذي قرره أبو علي ، ثم يزيد ابن جنى عليه بقوله : « وفيه غيره وذلك إذا رضى عنه فقد أقبل عليه ، فكأنه قال : « إذا أقبلت على بنو قشير » وهو غور من أنحاء العربية طريف ، ولطيف ، ومصون ، وبطين « 3 » . ويعتمد في التدليل أحيانا على ما أنشده أبو علي : قال في الاحتجاج لقراءة الأعمش على الجودى « تخفيف ياءى الإضافة قليل إلا في الشعر . أنشدنا أبو علي : بكى بعينك واكف القطر * ابن الحوارى العالي الذكر « 4 » يريد الحوارى ، وروى عنهم لا أكلمك حيرى الدهر يريد حيرى الدهر ، وهذا في النثر ، فعليه قراءة الأعمش جودي خفيفا « 5 » .

--> ( 1 ) انظر المحتسب 1 / 53 . ( 2 ) أنظر 1 / 59 ، 60 . ( 3 ) 1 / 32 . ( 4 ) كل مبالغ في نصرة آخر ( حواري ) وخص بعضهم به أنصار الأنبياء ( عليهم السلام ) وقوله وأنشده ابن دريد . إنما أراد ابن الحوارى يعنى بالحوارى الزبير ، وعنى بابنه عبد اللّه ابن الزبير . . . ( 5 ) 1 / 400 .