عبد الفتاح اسماعيل شلبي
29
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
السحر ( يعنى الدعاء ) ، والمعتصم يسمع ذلك ، فدخل منزله ، ولم ير راكبا إلا في يوم مثل ذلك اليوم ، فركب وصلى بالناس العيد وسار إلى موضع سامرا فبناها ( 221 ه ) « 1 » . وربما كانت هذه القصة ملفقة ، لكنها على كل حال لها دلالتها من توغل هؤلاء العلوج الأتراك في السلطان ، حتى أزالوا بعد هيبة الخلفاء . وكان المتوكل ( 233 - 247 ه ) شديد الانحراف عن آل على ( كرم اللّه وجهه ) ، وفعل من حرث قبر الحسين ( عليه السلام ) ما فعل ، وكانت بينه وبين المنتصر ابنه مباينة ، فاتفق المنتصر مع جماعة من الأتراك على قتله ، وقتل وزيره الفتح بن خاقان ، فهجموا عليه وهو يشرب فخبطوه بالسيوف فقتلوه ، وقتلوا الفتح معه « 2 » ، وكان ذلك أول اجترائهم « 3 » فأصبح الخلفاء ألعوبة في أيديهم ؛ ذاك لأنه عند موت المنتصر اجتمع أكابر المماليك وقالوا : « متى ولينا أحدا من ولد المتوكل طلبنا وأهلكنا ، فأجمعوا على مبايعة المستعين ، وقالوا : « هو ابن ابن مولانا المعتصم فإذا ما بايعناه لم تخرج الخلافة من ولد المعتصم ، وبايعوا المستعين ( 248 - 252 ) « 4 » وهكذا استولى الأتراك على المملكة ، وأصبح الخليفة في يدهم كالأسير ؛ إن شاءوا أبقوه وإن شاءوا خلعوه ، وإن شاءوا قتلوه . . حكى الفخري قال : « لما جلس المعتز ( 252 - 255 ه ) على سرير الخلافة قعد خواصه ، وأحضروا المنجمين وقالوا لهم : « انظروا كم يعيش ؟ وكم يبقى في الخلافة ؟ » ، وكان بالمجلس بعض الظرفاء فقال : « أنا أعرف من هؤلاء بمقدار عمره وخلافته » فقالوا له : « فكم تقول إنه يعيش ؟ وكم يملك ؟ » قال : « مهما أراد الأتراك ! » . . . وثار الأتراك بالمعتز وضربوه بالدبابيس ، وخرقوا قميصه ، وأقاموه في الشمس فكان يرفع رجلاه ، ويضع أخرى لشدة الحر ، وكان بعضهم يلطمه ، وهو يتقى بيده ، ثم جعلوه في بيت ، وسدوا بابه ، حتى مات بعد أن أشهدوا عليه أنه خلع نفسه ! ! « 5 » .
--> ( 1 ) الفخري 205 - 206 . ( 2 ) المصدر السابق 210 . ( 3 ) تاريخ آداب العرب لجورجى زيدان ج 2 / 153 . ( 4 ) الفخري 212 . ( 5 ) الكامل لابن الأثير ج 7 / 77 والفخري 215 .