عبد الفتاح اسماعيل شلبي

338

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

موقف ابن جنى من القراءات التي عدها غيره شاذة رأينا ابن جنى ينصب الموازين لتقويم القراءات التي عدها غيره شاذة ، فما كان منها جاريا على سنن من العربية ، فاشيا في اللغة والشعر وفصيح الكلام ، نازعا - كما يقولون - بالثقة إلى قرائه . محفوفا بالرواية من أمامه وورائه - ما كان كذلك قبله ولم يرده ، وصح الاحتجاج به كالمتواتر « 1 » ، ويرى - وهو على حق فيما يرى - أنه من الخطأ بعد ذلك تسميته شاذا . ثم يختلف تقديره للشواذ وموقفه منها بمقدار ما اشتملت عليه من هذه الأسس التي بنى عليها التقويم ، فلم يكن ابن جنى في كتابه المحتسب متحيزا إلى القراءات الشاذة يرجحها على الإطلاق ، بل وقف منها موقف الحكم العدل ، ولم يجرمه احتجاجه للشواذ ، وأنه عقد كتابه المحتسب من أجلها - على ألا يعدل في تقدير القراءات . ومن هنا رأيته يقف من القراءات الشاذة مواقف مختلفات : أولا - فهو حينا يرجح القراءة الشاذة على قراءة الكافة . ثانيا - وحينا يفسر قراءات الكافة بقراءة شاذة ، ويحتج بهذه لتلك مفسرا أو معربا . وهو في هاتين الحالين لا يشذذ ما يراه غيره شاذا ، بل هو راجح على القراءة السبعة ، أو على الأقل في درجتها . ثالثا - وحينا تراه يهاجم القراءة الشاذة ، فيتناكر لها ، ويتعجب من القراءة بها . وفي هذه الحالة يتفق هو والكافة في تشذيذها . والملاك العام عنده - حسن الظن بالمنكر من القراءات - يرى أن تأويله خير من الحكم عليه بالفساد ، اعتدادا بمن رواها من الأئمة القراء . وقد دعته هذه النزعة إلى إخراج القراءة من دائرة القليل النادر ، أو أنها لا تجوز إلا في الشعر ، إلى أنها كثيرة في الشعر ، وواردة في النثر ، وأورد في قراءة طلحة بن سليمان أن يحيى الموتى ساكنة « قوله معنى قول ابن مجاهد أنه قرأه على سكون الياء من يحيى على لغة من قال : يا دار هند عفت إلا أثافيها » فأسكن الياء في موضع النصب ، لا أن الياء في قوله : « يحيى الموتى » ساكنة ، وذلك أنه لا ياء هناك في اللفظ أصلا ، لا ساكنة ولا متحركه ؛ لأنها حذفت لسكونها وسكون اللام من الموتى . قال أبو العباس : هذه الياء في موضع النصب من أحسن الضرورات ، حتى أنه لو جاء به جاء في النثر لكان جائزا ، وشواهد ذلك في الشعر أكثر من أن يؤتى بها ،

--> ( 1 ) انظر خزانة الأدب 1 : 5 .