عبد الفتاح اسماعيل شلبي
277
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
أما أبو علي فلم يحفل بهذا الاشتقاق في تفسير الألفاظ القرآنية التي عرض لها في كتابه الحجة ، وإنما كان يعتاده ، ولا يعول عليه ، حتى لأستطيع من ذلك أن أخلص إلى النتيجة التي أريد تسجيلها وهي : « أن تفسير اللفظ القرآني بطريق الاشتقاق طابع خاص تميز به الزجاج ، وفصل عنه تلميذه الفارسي ، ولم يشأ أبو علي أن يحذو حذو شيخه فيه » . وربما كان السبب في ذلك أن أبا على تأثر أكثر ما تأثر في اللغة بكتب أبى زيد الأنصاري « 1 » ولم يكن الاشتقاق - على ما يبدو - قد ظهر في صورة واضحة المعالم في ذلك العهد عهد أبى زيد ، وإنما كان الكلام فيه نتفا تروى ولم تبلغ درجة الرشد والاكتمال . وأمضى في بيان بقية خصائص كتاب معاني القرآن للزجاج . ثانيا : تفسير اللفظ القرآني أولا بالقرآن : وهذه ذات شعبتين : 1 - فإما أن يكون اللفظ المفسر لاحقا للفظ المفسر في آية واحدة ، فيستدل بذلك على هذا بطريق الاستنتاج كما في قوله تعالى : « يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ، وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً « 2 » . قال : الطاغوت : الشيطان بدليل قوله تعالى : « وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً . وفي قوله تعالى : « وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ » قال : ادعوني : اعبدوني والدليل أن الذين يستكبرون عن عبادتي » .
--> الطائفة الصالحة من الاشتقاق في كتابه معاني القرآن ؟ ! وأي الشيخين المتعاصرين بدأ النجاح الكبير في نظرية الاشتقاق إذا سلمت جدلا ، بعدم الاعتداد بجهود السابقين ؟ ! صحيح أن بعض العلماء - وربما دفعهم التحامل - لم يرضوا عن منهج الزجاج في الاشتقاق - كما أشرت إلى ذلك من قبل - ولكن هذا لا يدعو إلى عدم الاعتداد به ، وإغفاله حتى لا يشار إليه ، مع أنه يمثل مرحلة كبرى من المراحل التي خطاها السابقون في هذه السبيل ، ومما يزيد في أهمية هذه المرحلة - عند الزجاج - أنه يكاد يلتزمها في تفسير اللفظ القرآني ، في كتابه المعاني . هذا وقد عرضت في مكان آخر أبى بكر محمد بن السرى الملقب بابن السراج - وهو معاصر كذلك لابن دريد - وبينت تأسى ابن فارس به ، ودعمت ما رأيت بالنصوص ، وانتهيت إلى أن ابن السراج هو الأصل في الحديث عن الاشتقاق على صورة رضى عنها العلماء المشهورون بالادقاق ( كابن جنى في خصائصه 1 / 526 ) راجع ص 293 وما بعدها من هذا البحث . ( 1 ) انظر الامتاع : 1 / 131 . ( 2 ) سورة النساء آية : 40 .