عبد الفتاح اسماعيل شلبي

20

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

وكل من الفقه وعلم الكلام وثيق الصلة بالآخر ، فقد كان النظر في الدين بأحكامه وعقائده يسمى فقها ، ثم خصت الاعتقادات باسم « الفقه الأكبر » وخصت العمليات باسم الفقه ، وسميت مباحث الاعتقاديات « علم الكلام » « 1 » . وأسارع فأذكر أن الذين أفتوا في عهد الرسول ( صلوات اللّه عليه وسلامه ) كانوا ممن تعلموا الكتابة ، واشتغلوا بالقراءة والإقراء ، بل أطلق لفظ القراء على أهل الفتوى ، ومن يؤخذ عنهم الدين ؛ جاء في مقدمة ابن خلدون : « أن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا ، ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم ، وإنما كان ذلك مختصا . بالحاملين للقرآن ، العارفين بناسخه ومنسوخه ، ومتشابهه ومحكمه ، وسائر دلالاته بما تلقوه من النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) أو ممن سمعه منهم ومن عليتهم ، وكانوا يسمون لذلك القراء ، أي الذين يقرءون الكتاب ؛ لأن العرب كانوا أمة أمية ، فاختص من كان منهم قارئا للكتاب بهذا الاسم « 2 » . وفي هذا النص تعليل لاشتغال هؤلاء القراء بالإفتاء ، ولم كان الدين مأخوذا عنهم ، ومختصا بهم دون غيرهم . وممن ذكروا بالإفتاء من الصحابة : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلى ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد اللّه بن مسعود ، وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وحذيفة بن اليمان ، وزيد بن ثابت ، وأبو الدرداء ، وأبو موسى الأشعري ، وسلمان الفارسي ( رضى اللّه عنهم أجمعين « 3 » ) وقد حفظ التاريخ لمعظم هؤلاء المفتين عملا جليلا في سبيل القرآن . في جمعه ، أو توحيد نصه ، أو كتابته ، أو إقرائه على النحو الذي بينت من قبل « 4 » . وأزيد هنا أن ابن مسعود إلى جانب تجويده القرآن وتحقيقه وترتيله كان يتعلم من رسول اللّه - فيما يتعلم - الأعمال التي تشتمل عليها آيات القرآن ، قال : « كنا نتعلم من النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) عشر آيات فما نتعلم العشر التي بعدهن حتى نتعلم ما أنزل اللّه في هذه العشر من العمل « 5 » « وهو مع ذلك الإمام في تجويد القرآن ، وتحقيقه ، وترتيله مع حسن الصوت « 6 » . وحذيفة بن اليمان وردت الرواية عنه في حروف القرآن « 7 »

--> ( 1 ) تاريخ الفلسفة الإسلامية / 50 . ( 2 ) مقدمة ابن خلدون / 446 ط مصطفى محمد . ( 3 ) الخطط المقريزية 4 / 142 ط المليحى . ( 4 ) انظر صفحات 3 وما بعدها من هذا البحث . ( 5 ) طبقات القراء 1 / 459 . ( 6 ) نفس المصدر . ( 7 ) طبقات القراء 1 / 203 .