عبد الفتاح اسماعيل شلبي
248
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
وأقول لابن خالويه من حيث مسلكه في الاحتجاج مثل ما قلت للزجاج ، وأزيد : أن ابن خالويه بالغ في أن جعل ثواب اللّه أكبر بقراءة الإظهار في قوله تعالى : « ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ » فان كرم اللّه لن يضيق بثوابه على التالين لكتابه ، والمتعبدين بما به ، ولن يكون ضيقا حرجا بالإدغام ، وواسعا عفوا بالاظهار ! فثواب التلاوة ثابت في كلتا الحالين بقدر ما تخشع القلوب ، وتلين الجلود ! ! وقد بدا لي أن أبا على جانب الأثر في احتجاجه وأراد أن يحتج للقراءات بطريق النظر ؛ فقد دعت الاتجاهات العامة في عصره أن يرد على الملحدين المجادلين في آيات اللّه ، وهم لا يعتدون بالأثر ، ولا يقتنعون إلا بالرأي القائم على الحجة والدليل المنطقي ، فأجرى مقاييس العربية على القراءات ، هذا داع من الدواعي الدافعة لأبى على أن يسلك مسلكه ، وشئ آخر : لقد كان معاصرا لابن مقسم ( 154 ه ) الذي قرأ - خاطئا - بكل ما يحتمله رسم المصحف فأبعد كل هذا أبا على - فيما أرى - عن الاحتجاج بالرسم ، ووثق القراءات الصحيحة السبعة بجريانها على ركن هام من أركانها ذلك هو قياس العربية ، بجانب الآثار العربية . فإذا لم يستطع أبو علي أن يجرى مقاييس العربية على قراءة من القراءات سلم مضطرا بأن القراءة سنة ، ثم هو : لا يخلى تسليمه عندئذ من الإشارة إلى أن القراءة بما يوافق القياس أحسن وأولى . وإذا أردت تقويم اتجاهه وجدته خيرا وأحسن تأيلا من سلوك مسالك الأثر في عصر اشتعلت فيه نيران الجدل ، وتفشته مظاهر الالحاد ، واختلفت فيه النحل ، وتفرقت فيه الأحزاب طرائق قددا ، ثم اجتمعوا على الكيد للاسلام فكان لا بد من اصطناع البراهين التي يصطنعون ، واتخاذ الوسائل التي يسلكون ، وإن كان أبو علي قد غالى في ذلك حتى لا يكاد يقول برسم المصحف ، وتجاوزه إلى قياس القراءة على العروض والقوافي . ويشفع له في ذلك أنه كان عن كتاب اللّه منافحا ، ومن هنا لم يكن غريبا أن ينال تقدير صادق الحكومة أبى العلاء في رسالة الغفران ، فأخلاه من لوم اللائمين ؛ لأنه يمتّ إلى اللّه بكتابة الحجة وهو سبب متين « 1 » . وأرجو أن يكون مفهوما - وهذه عقيدة الفارسي - أن ليس معنى انصرافه
--> ما لا يجتمع في حروف أخرى من جنسها فيميل بعض القراء ما كان سبب الإمالة فيه ضعفا ويترك ما كان السبب فيه قويا ( انظر الإمالة لمكى ورقة 14 والموضح للداني ص : 247 . ( 1 ) رسالة الغفران : 154 .