عبد الفتاح اسماعيل شلبي

95

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

على لهجات الناس ، وما يلوون به ألسنتهم ، فتنبهه هذه الظواهر إلى لحظها ، وتسجيلها ، والإفادة منها في تلاقح اللهجات ، وسريانها على ألسن المتكلمين « 1 » . ومما يدل على حبه للعلم موقفه من كتبه التي احترقت ، وما ناله من الهم والحزن والتحير والذهول ، وبقاؤه على ذلك شهرين لا يكلم أحدا لغلبة الفكر عليه « 2 » . ومما مكن له في العلم أنه أقام على أنسه به لا يشغله عنه شئ - كما يقول تلميذه ابن جنى - سبعين سنة زائحة علله ، ساقطة عنه كلفه ، وجعله همه وسدمه ، لا يعتاقه عنه ولد ، ولا يعارضه فيه متجر ، ولا يسوم به مطلبا ، ولا يخدم به رئيسا إلا بأخرة وقد حط من أثقاله ، وألقى عصا ترحاله « 3 » . . ثم هو بنظره في العربية ، والخوض فيها ، يستجيب لداع ديني يفسره شرحه للحديث الشريف : « إن اللّه ينهاكم عن قيل وقال » حيث قال : معنى النهى في هذا الحديث المجادلة بالباطل ؛ ليدحض به الحق ، وليس على النهى عن الخوض في العربية وتعلمها ؛ لأن الحض على النظر فيها قد كثرت الرواية به عن السلف ( رحمهم اللّه ) ، ثم قال : حدثنا إسماعيل بن محمد قال : « حدثنا محمد بن عيسى العطار قال : حدثنا كثير بن هشام قال : « حدثنا عيسى بن إبراهيم عن الحكم بن عبد اللّه الزهري ، عن سالم عن أبيه قال « 4 » : « مر عمر بن الخطاب على قوم يرمون رشقا فقال : بئس ما رميتم » فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إنا قوم متعلمين . فقال : واللّه لذنبكم في لحنكم أشد على من ذنبكم في رميكم ؛ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : رحم اللّه رجلا أصلح من لسانه « 5 » . بهذه النزعة الدينية يخوض أبو علي في العربية ، وناهيك بها نزعة دافعة إلى بلوغ أقصى الغايات ؛ استجابة لداع من دواعي العقيدة ، ورغبة في مذخور الثواب بتقديم القربات . أما دور العلم والأماكن التي درس فيها أبو علي ، وثقف ، وتثقف فقد كانت : ( ا ) المساجد : ويقول المقدسي : « ومن رسوم أهل فارس إذا صليت العصر كل يوم جلس العلماء للعوام إلى المغرب ، وكذلك بعد الغداة إلى ضحى ، وأيام الجمع

--> ( 1 ) انظر الخصائص : 1 / 95 . ( 2 ) انظر معجم الأدباء : 7 / 256 - 257 . ( 3 ) الخصائص : 1 / 285 . ( 4 ) حرصت على نقل الاسناد في هذا الحديث لأن توثيقه على هذه الصورة من تمام البرهان على ما أنا فيه . ( 5 ) الحجة : 1 / 231 مراد ملا .