نصر حامد أبو زيد

80

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

والحقيقة أن هذا المعيار - معيار الطول والقصر - يمكن تدعيمه على أساسين وتفسيره بهما أيضا . الأساس الأول : هو ما سبق أن أشرنا اليه من انتقال الدعوة من مرحلة « الانذار » إلى مرحلة « الرسالة » ، الانذار يعتمد على التأثير الذي يعتمد بدوره على لغة ذات أسلوب مركز وموقّع ، وهو أسلوب طاغ في قصار السور بصفة عامة ، وكلها سور مكية . ولكن « الرسالة » من جهة أخرى تخاطب المتلقي وتنقل اليه محتوى أوسع من مجرد التأثير ، وهي من ثم تحتاج لغة مختلفة على مستوى التركيب والبناء . في الرسالة يغلب جانب نقل « المعلومات » على جانب التأثير وان كان لا يلغيه إلغاء تاما ، وفي « الانذار » تكون الأولوية للتأثير ويقل جانب نقل « المعلومات » أو يصبح « ثانويا » . بناء على هذا المعيار لا نستطيع أن نتقبل مثلا ما يذهب اليه السيوطي من وجود نصوص في القرآن تأخر حكمها عن نزولها ، أي نزلت النصوص أولا ثم فرض ما فيها من أحكام شرعية وفقهية في مرحلة متأخرة غير مقارن لنزول النص ، وتلك قضية سنعود إليها بعد ذلك . والأساس الثاني هو مراعاة حال المتلقي الأول من حيث تعوّده على حالة الوحي « 1 » . أما الخصيصة الثانية من الخصائص الأسلوبية التي يمكن أن تكون فارقة بين المكي والمدني فهي خصيصة « مراعاة الفاصلة » . ورغم أن هذه الخصيصة يمكن أن تعد جزءا من الطبيعة اللغوية للغة التأثيرية - لغة الانذار - فإنها يمكن أن تفسّر أيضا في ضوء تشابه آليات النص مع آليات النصوص الأخرى في الثقافة ، ورغم تنبه القدماء لأهمية الفاصلة في القرآن بشكل عام فإنهم تحاشوا أي مقارنة بينها وبين « السجع » الذي كان ظاهرة مألوفة في النصوص الأخرى . كانت نبوءات الكهان والعرّافين تعتمد على السجع ، وكان السجع من ثم دلالة في الضمير الثقافي على أن هذا الكلام ليس من كلام البشر الناطق به . ها هو سطيح يفسر رؤيا ربيعة بن مضر على النحو التالي : - رأيت حممه خرجت من ظلمه فوقعت بأرض تهمه فأكلت منها كل ذات جمجمه

--> ( 1 ) يمكن أيضا أن نضيف إلى هذين الأساسين عاملا مساعدا هو ما ترتب على كثرة عدد كتّاب الوحي - نتيجة لحرص النبي على تعليم المسلمين القراءة والكتابة - من سهولة تدوين النص إذا قورنت بصعوبة ذلك في المرحلة المكية ، لكن حركة النص بين الشفاهية والتدوين تحتاج إلى مناقشة وتحليل أوسع .