نصر حامد أبو زيد

73

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

واحدة ، لذلك يتحول الأمر إلى نهي عن الاستكثار « ولا تمنن تستكثر » . وقد أخطأ المفسرون أيضا حين فهموا المنّ هنا بمعنى العطاء ، ويعتمد الزمخشري على قراءة للحسن تؤكد هذا المعنى : قرأ الحسن : ولا تمن وتستكثر ، مرفوع منصوب المحل على الحال ، أي ولا تعط مستكثرا رائيا لما تعطيه كثيرا ، أو طالبا للكثير ، نهي عن الاستكثار ، وهو أن يهب شيئا وهو يطمع أن يتعوض من الموهوب له أكثر من الموهوب « 1 » . ويتابع المفسرون المحدثون هذا التأويل دون فحص أو إعادة نظر : لا تعط وأنت تقدر في نفسك أن ما تعطيه كثير ، بان اعط عطاء من لا يخاف الفقر ، أو قدّر أن ما تعطيه قليل وإن كان كثيرا في الواقع ونفس الأمر « 2 » . إن النهي عن المنّة نهي عن الضعف والتخاذل والاستكثار ، استكثار الأوامر واستثقالها ، وهذا النهي يجاوبه الأمر بالصبر « ولربك فاصبر » ، ولا يكون الصبر إلّا مع الشدة . ورد في الأساس : وهو ضعيف المنّة - ، وليس لقلبه منّة أي قوة . وهم ضعاف المنن ، ومنّه السّفر : أضعفه وذهب بمنته . قال ابن ميادة : مننّاهن بالادلاج حتى * كأن متونهن عصيّ ضال ومنه : الحبل والثوب المنين : الواهن المنسحق « 3 » . وإذا كان المفسرون قد جعلوا الصبر صبرا على عناد قومه ، فان سياق النص بوصفه النص الأول في اعلان الرسالة ينفي ذلك . إن الصبر هنا صبر لأوامر الرب الذي طال حنين محمد إلى معرفته ، وطال تشوقه إلى الاتصال به . وعلينا أن نلاحظ أن النص ما زال يسند « الرب » إلى ضمير المخاطب - ضمير محمد - تأنيسا وترغيبا وتشويقا . وقد دأب أهل مكة فترة طويلة على الحديث عن « رب محمد » وما أوحى اليه به . إن النص في عملية الاتصال الثانية ما زال يتجاوب مع حالة المتلقي الأول للنص ، ويفصح عن أشواقه ويجيب عن أسئلته . فكان الأمر بالانذار ردا على حيرته فيما يراد منه ، وكانت الأوامر بالتكبير وتطهير الثياب وهجر الرجز تأهيلا له لكي يقوم بالمهام التي يسندها

--> ( 1 ) الكشاف : الجزء الرابع ص 180 . ( 2 ) المغربي : تفسير جزء تبارك . ( 3 ) الزمخشري : أساس البلاغة .