نصر حامد أبو زيد

71

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

لما أخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم خديجة رضي اللّه عنها بحال الوحي أول ما فاجأته وأرادت اختباره فقالت اجعلني بينك وبين ثوبك فلما فعل ذلك ذهب عنه فقالت إنه ملك وليس بشيطان « 1 » . لقد كانت التجربة الأولى محيرة ، فما ذا يريد منه هذا الملك ، وما ذا يريد منه ربه ؟ وما حقيقة هذا الوحي ؟ ولا شك أن كل هذه الحيرة التي انتابت محمدا ، والتي دفعته إلى أن يعلو شواهق الجبال يأسا يمكن أن تؤكد لنا حقيقة هامة هي أن محمدا لم يكن مختلقا أو كاذبا . كان الوحي بالنسبة له - وبالنسبة للثقافة كما حللنا في الفصل السابق - حقيقة لا شك فيها . ومن شأن هذه الحقيقة أن تفسر فعالية النص في الواقع والثقافة معا . لقد ظهر بعد محمد من زعموا أنهم يوحى إليهم لكن الاختبار - وصراع القوى - كشفا عن اختلافاتهم . من هذا المنطلق يصح أن نفهم كل هذه المحاولات التي بذلها محمد - وبذلتها معه خديجة - للتأكد من حقيقة هذا النداء الملحّ ، ومن حقيقة الملك ومن حقيقة الوحي ذاته كذلك . وسط هذا الخوف والرعشة والتدثر أفصح له الوحي عن حقيقة الدور الذي أسند اليه ، وبين له عظم المهمة التي اختير لأجل تحقيقها . لم تكن المسألة مسألة كلمات تلقى عليه فيردّدها ثم يهرع إلى فراشه ، انها مهمة تتطلب القيام والاستعداد . انها مهمة « الانذار » ، انذار هذا المجتمع وهؤلاء الناس بحقيقة الفساد الذي نخر في عظام المجتمع كله وبضرورة التغيير تحقيقا لأحلام المستقبل . وقد لاحظ المفسرون القدماء أن مفعولي « أنذر » محذوفان ، واستدلوا من ذلك على أن المقصود « فافعل الانذار من غير تخصيص » « 2 » « لعدم تعلق الغرض بهما ، وتعلقه بأصل الانذار ، إذ كان هذا أهم شيء بالنسبة إليه صلّى اللّه عليه وسلم ما دام لا يعلم من هذا الذي يخاطبه وما ذا يريد من غشيانه له المرة تلو المرة » « 3 » . والحقيقة أن الحذف هنا يحقق غايتين : أولاهما أن يحافظ النص على فاصلة الراء وهي حرف مكرر يحدث رنينا يتجاوب مع أمر القيام لذلك المتدثر الذي يخلد إلى النوم والراحة من جهة ، ويتجاوب مع دلالة « الانذار » من جهة أخرى ، أما الغاية الثانية التي يحققها الحذف - حذف مفعولي أنذر - فهي غاية تجاوب النص مع المتلقى الأول ذاته ، من حيث إنه يعلم من ينذر ويعلم أسباب الانذار . إن النص هنا يتجنب « الإطناب » في موقف لا يستدعيه ولا يحتاجه . إن افعال الأمر تتوالى في هذا النص تواليا سريعا بالفاء « فأنذر » « فكبر » « فطهر »

--> ( 1 ) ابن خلدون : المقدمة ، ص 92 . ( 2 ) الكشاف : الجزء الرابع ، ص 180 . ( 3 ) المغربي : تفسير جزء تبارك .