نصر حامد أبو زيد
69
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
والنص على مستوى آخر - مجال أزمنة الأفعال - يجعل من فعل الأمر « اقرأ » فاصلا بين مستويين في النص ، المستوى الأول : مستوى الحضور والخطاب ، ويكون هذا المستوى معبرا عنه بصيغة المضارع في الفعل من جهة ، وبضمير المخاطب في « ربك » في الآيتين الأولى والثالثة . والمستوى الثاني مستوى الغياب المعبّر عنه بالأفعال الماضية من جهة : « خلق » « علم » ، وبضمائر الغائب على المستوى النحوي من جهة أخرى . ويؤدي تكرار الفعل « اقرأ » إلى فصل آخر بين « صفة الخلق » و « صفة التعليم » ، وهو فصل تؤكده الفواصل وهي القاف في الآيتين الأولى والثانية ، والميم في الآيات الثالثة والرابعة والخامسة . إن النص هنا وان كان يتشكل من خلال تجاوبه مع الواقع ممثلا في شخص محمد ، يتجاوز ببنائه وتركيبه وآلياته اللغوية تلك المناسبة الجزئية . إن النصوص وإن تشكلت من خلال الواقع والثقافة تستطيع بآلياتها أن تعيد بناء الواقع ولا تكتفي بمجرد تسجيله أو عكسه عكسا آليا مر آويا بسيطا . ونحن هنا بالطبع نقصد النصوص الممتازة في الثقافة ، فالنصوص الرديئة هي التي تكتفي بتسجيل الواقع . إن جدلية النص والواقع ليست جدلية بسيطة ، فالواقع يتحول في اللغة إلى ألفاظ تدخل في علاقات تركيبية بناء على قوانين خاصة هي قوانين اللغة . من هنا يكون للغة نوع من الاستقلال النسبي عن الثقافة التي تعبر عنها وعن الواقع الذي يفرزهما ، ومن هذا الاستقلال تكتسب قدرتها على إعادة بناء الواقع . وقد رأينا هنا كيف أن النص الذي يخاطب محمدا ويستجيب لهمومه - التي هي هموم الواقع - يتجاوز موقف الاستجابة السلبي إلى محاولة صياغة واقع جديد ، صياغة الإيديولوجية التي طال البحث عنها في « دين إبراهيم » . 4 - التوجه للواقع بالبلاغ سبقت لنا الإشارة إلى ما ذهب اليه علماء القرآن من أن « سورة العلق » أول ما نزل في شأن « النبوة » وأن « سورة المدثر » هي أول ما نزل في شأن « الرسالة » . ويبدو أن الخلاف حول أول ما نزل من القرآن كان حول هاتين السورتين ، أو بالأحرى الآيات الأولى منهما ، وهذا الخلاف نجده مذكورا على النحو التالي : - عن يحيى قال : سألت أبا سلمة : أي القرآن أنزل قبل ؟ قال : ( يا أيها المدثر ) ، فقلت أو ( اقرأ ) ؟ فقال : سألت جابر بن عبد اللّه : أي القرآن أنزل قبل ؟ قال : ( يا أيها المدثر ) فقلت : أو ( اقرأ ) ، قال جابر : أحدثكم ما حدثنا به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : « جاورت بحراء شهرا ، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي ، فنوديت ، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر أحدا ، ثم نوديت فلم أر أحدا ، ثم نوديت ، فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء ، يعني جبريل عليه السلام ، فأخذتني منه رجفة شديدة ، فأتيت