نصر حامد أبو زيد
67
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
تصور للنص يتباعد به عن الواقع الذي أنتجه والثقافة التي تشكل من خلالها . إن هذا التصور يجعل النص معطى سابقا كاملا مكتملا فرض على الواقع بقوة الهية لا قبل للبشر بها . وكان من شأن هذا التصور أن يؤدي إلى عزل النص عن حركة الواقع تدريجيا ، وذلك بتحويله من نص لغوي دال إلى مجرد شيء مقدس ، إلى مصحف يستمد قداسته من مجرد وجوده تمثيلا لأصله القديم الماثل في عالم الأرواح والمثل . إن الخطاب الأول من النص متوجه في الأساس الأول إلى محمد مجيبا عن تساؤلاته . بدأ هذا الخطاب بالتعريف ، التعريف بالمرسل وتحديد علاقته بالمتلقي الأول من جهة ، وبالناس - الإنسان موضوع استفهام محمد - من جهة أخرى . إن المتحدث إلى محمد بالوحي ليس غريبا عنه . وإذا كان محمد قد نشأ يتيما بلا أب فان ثمة من يربّيه ويكون ربا له « اقرأ باسم ربك » . واسناد « رب » إلى ضمير المخاطب - ضمير محمد - يومئ إلى معنى التربية بكل ما فيها من ألفة . ويؤكد هذه الدلالة الكلام عن « التعليم » بعد ذلك . وحتى لا يكون « ربك » مجرد مربّ عادي يضيف النص « الذي خلق » . ولا شك أن احساس محمد - الذي تتوجه اليه هذه الرسالة - بأن ربه هو الذي خلق يتصاعد بذاته وبقيمته وأهميته ، ويداوي احساس اليتم والفقر المستقر في أعماقه . ولأن محمدا لا يعزل نفسه عن الواقع وعن انسان مجتمعه فان النص يكرر الفعل « خلق » كاشفا لمحمد عن تساؤلاته عن الانسان ، فربّ محمد الذي خلق ، خلق الانسان من علق . وإذا كان الرب هو الخالق للإنسان فإنه ليس مجرد رب عادي بل هو أكرم الأرباب . وعلينا ألا نتخلى هنا عن الدلالة اللغوية لكلمة « رب » ، وكذلك عن الدلالة اللغوية للفظ « أكرم » . إن كون رب محمد هو الخالق للإنسان وهو الأكرم بمعنى - الشرف والأصالة لا بمعنى كرم العطاء - من شأنه أن يكسب محمدا ثقة بنفسه وبقيمته في المجتمع والواقع . إن قصة امتناع المراضع عن أخذ محمد بسبب يتمه قصة أشهر من أن نكررها ، ولم تأخذه « حليمة » الا لأنها لم تجد سواه . إن « اليتيم » في مثل هذا المجتمع القائم على العصبية كان يعاني دون شك احساسا طاغيا بالاهمال والضياع . وعلى ذلك فالوصف - وصف الرب - بالأكرم يهدف إلى تطييب نفس محمد ، ذلك أنه ينتسب - رغم يتمه - إلى رب هو أكرم من كل الآباء والأرباب الذين يفخر بهم الأبناء . انه رب خالق . وهو بالإضافة إلى خلق الانسان من علق علّم بالقلم . وليست الإشارة إلى التعليم بالقلم في النص إلا تجاوزا من النص للواقع ، فالتعليم في الواقع تعليم شفاهي لا يكاد يستخدم فيه « القلم » ، لكن رب محمد يعلّم بالقلم ، يعلّم الانسان ما لم يعلم . إذا صح هذا الفهم من جانبنا للآيات الأولى من الوحي من حيث دلالتها على المتلقي