نصر حامد أبو زيد

65

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

انك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم ، ولكن قد أظلّ زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها يبعث بدين إبراهيم ، الحنيفية ، فالحق بها ، فإنه مبعوث الآن ، هذا زمانه . وقد كان شام اليهودية والنصرانية فلم يرض شيئا منهما ، فخرج سريعا ، حين قال له ذلك الراهب ما قال ، يريد مكة حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه . « 1 » كان البحث عن « دين إبراهيم » اذن بحثا عن دين يحقق للعرب هويتهم من جهة ، ويعيد تنظيم حياتهم على أسس جديدة من جهة أخرى . وكان « الاسلام » هو الدين الذي جاء يحقق هذه الأهداف . وليس من قبيل التأويل الإيديولوجي أن نقول إن الاسلام بهذه المثابة - ومن حيث هو دين يردّ نفسه للحنيفية ملة إبراهيم - كان تجاوبا مع حاجة الواقع ، وهي الحاجة التي عبر عنها الأحناف وكان محمد واحدا منهم . لكن النص في تجاوبه مع الواقع واستجابته له استجاب له من خلال المتلقي الأول . وليس الحديث اذن عن محمد بوصفه المتلقي الأول للنص حديثا عن متلق سلبي ، بل حديث عن انسان تجسدت في داخله أحلام الجماعة البشرية التي ينتمي إليها ، انسان لا يمثل ذاتا مستقلة منفصلة عن حركة الواقع ، بل انسان تجسدت في أعماقه أشواق الواقع وأحلام المستقبل . 3 - الموقف الاتصالي الأول إن الآيات الأولى التي نزلت من النص في عملية الاتصال الأولى ، وهي آيات سورة العلق ، تكشف لنا عن طبيعة الأسئلة التي كانت تحير محمدا وتحرك أشواقه وتدفعه إلى الخلوة والتحنث - أو التحنف - في غار حراء الليالي أولات العدد قبل أن يعود إلى أهله لكي يتزود لمثلها كما ورد في حديث عائشة . لقد كانت كلها أسئلة تدور حول مصير الانسان ، حول أصله وغايته . وليس من طبائع الأمور هنا أن نتصور محمدا مفكرا فلسفيا ، يطرح أسئلة ذات طبيعة مجردة مطلقة ، فالانسان الذي كان يثير تساؤلات محمد هو دون شك انسان مجتمعه . إن محمدا اليتيم لم يكن يمكن أن يتجاهل الأوضاع الاجتماعية المتردية في واقعه . لقد ذاق مرارة اليتم في مجتمع يعطي لعلاقات العصبية مركز الصدارة ، وإذا كانت قد اجتمعت في ظروف محمد قسوة اليتم والفقر معا فلا شك أن وعيه قد تشكل بطريقة تثير أسئلة لا يسمح في مثل هذا المجتمع بالافصاح عنها . لذلك يمكن أن نتلمس هذه الأسئلة في تجاوب الوحي في الآيات الأولى من النص . لقد كان موقف الاتصال الأول موقفا معقدا ، فبينما محمد يتأمّل فاجأه الملك آمرا

--> ( 1 ) السيرة النبوية : الجزء الأول ، ص 214 ، وانظر : 218 - 219 عن ابدال الثاء من الفاء في « التحنث » و « التحنف » وهذا يؤكد أن تحنث » النبي في غار حراء كان جزءا من طقوس المتحنفين .