نصر حامد أبو زيد
63
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
أن تقبل تحكيم رجل مثل « زيد بن عمرو » الذي عاب آلهتهم وسبّهم وفارق حياتهم مفارقة شبه تامة حتى صار أشبه بالراهب وان لم يعتنق المسيحية ؟ وها هو الشيخ وقد طعن في السن يسند ظهره إلى الكعبة صارخا في وجه قريش : يا معشر قريش ، والذي نفس زيد بن عمرو بيده ، ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري ، ثم يقول : اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به ، ولكني لا أعلمه ، ثم يسجد على راحته « 1 » . هل كان هذا الشيخ ، الصارخ في البرية داعيا إلى دين إبراهيم ، صوتا في فلاة ، أم كان تجسيدا لنزوع ما لاتجاه جديد في رؤية العالم في هذه الثقافة ؟ وهل كان محمد الانسان ابن واقعة ومجتمعه إلا جزءا من هذا الاتجاه الجديد النقيض للاتجاه السائد في المجتمع والفكر على السواء ؟ 2 - دين إبراهيم لكن لما ذا العودة إلى دين إبراهيم ؟ ولما ذا لم يكن في اليهودية والمسيحية ما يكفي للإجابة عن هذه الأسئلة الحائرة التي كانت تعذّب هؤلاء الأفراد من العرب ؟ الحقيقة أن هذه الأسئلة لم تكن مجرد صرخات « صوفية » لمعانقة المطلق ، بل كانت تعبيرا عن الاحساس بأزمة الواقع وبضرورة تغييره ، وكانت هذه الأسئلة بمثابة البحث عن « أيديولوجية » للتغيير . ولم يكن لهذا البحث أن يتجاوز الآفاق المعرفية للجماعة التاريخية ، وهي آفاق تحكمها طبيعة البنى الاقتصادية والاجتماعية لهذه الجماعة . لقد كان البحث عن دين إبراهيم في حقيقته بحثا عن الهوية الخاصة للعرب ، وهي هوية كانت تهددها مخاطر عدة ، أهم هذه المخاطر هو الخطر الاقتصادي النابع من ضيق الموارد الاقتصادية ، التي تعتمد على المطر والعشب من جهة ، وعلى التجارة من جهة أخرى . وقد أوشكت حياة الصراع والتناحر والحروب بين القبائل - وكلها حروب وصراعات ذات جذور اقتصادية - أن تؤدي إلى القضاء على الحياة ذاتها . وزاد من حدة هذه الأزمة واستعار خطرها أن الجزيرة العربية كانت محاصرة بالقوى الأجنبية من كل جانب ، فعلى حدود العراق قامت مملكة الحيرة تحت رعاية الفرس ، وكانت مهمتها رد الغارات أو الهجرات العربية عن حدود فارس والعراق . وقامت على حدود الشام دولة الغساسنة التي قامت بدور مشابه في خدمة الروم . أما في الجنوب فقد خضعت اليمن لحكم الأحباش . وحاول هذا الحصار اختراق قلب الجزيرة نفسه ، وذلك بحملة أبرهة على الكعبة لهدمها ونقل مركز الثقل الديني -
--> ( 1 ) السيرة النبوية : الجزء الأول ، ص 208 .