نصر حامد أبو زيد

60

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

من كريمات العرب ، ذات مال وجمال وحسب ، مرغوب فيها لا مرغوب عنها ؟ ولو كان محمد دائم الاعتزال للناس في شعاب الجبال والأودية فكيف نال هذه الشهرة ؟ وليس معنى القول بأن محمدا ابن الواقع ونتاجه أنه نسخة كربونية من صورة العربي الجاهلي التي أعيد رسمها في العصور المتأخرة ، والتي ما زالت تعرض حتى الآن في اعلامنا الديني الرسمي ، ذلك البدوي الفظ الغليظ القلب الذي يدفن ابنته الوليدة في الرمال ولا يبالي ، والذي يعبد إلها من « العجوة » يأكله إذا جاع . لو كان هكذا عرب الجاهلية في سلوكهم ومعتقداتهم فما أهون الانتصار الذي حققه المسلمون عليهم ، إذ لا يقاتل أمثال هؤلاء مثل ذلك القتال الشرس عن عقائد وأوضاع بمثل هذا التردي والخراب ، ناهيك عن الضحالة والسذاجة « 1 » . ومع ذلك فلم يكن محمد بهذه الصورة لو كانت صحيحة . إن الواقع الذي ينتمي اليه محمد ليس بالضرورة هو الواقع السائد المسيطر ، فالواقع - أي واقع كان - يحتوي في داخله وفي بنائه الثقافي على نمطين من القيم : النمط السائد المسيطر ، ونمط القيم النقيض الذي يكون ضعيفا خافت الصوت ، لكنه يسعى لمناهضة نمط القيم السائد . وليس هذان النمطان من القيم إلا تعبيرا عن قوى اجتماعية وعن صراعات اقتصادية واجتماعية . لم يكن محمد ينتمي في هذا الواقع إلى الواقع المسيطر بنمط القيم السائد فيه ، لذلك يصدق عليه وصف السيدة خديجة حين كانت تهدئ من روعه بعد التجربة الأولى لعملية الاتصال / الوحي ، وما تلاها من خشيته على نفسه أن يكون به مرض أو مسّ من الشيطان : كلا ، أبشر واللّه ما يخزيك اللّه أبدا ، انك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق « 2 » . إن هذه الأوصاف كلها أوصاف للأخلاق المتعدية للغير ، أي لأخلاق التعامل مع البشر في الواقع اليومي . إن حب الخلاء والتحنث في غار حراء لم يكن انعزالا عن حركة الناس في الواقع ، وانما كان طقسا يمارسه آخرون إلى جانب محمد وقبله . هؤلاء الآخرون هم الأحناف الذين تحصرهم السيرة في « ورقة بن نوفل » و « عبد اللّه بن جحش » و « عثمان بن الحويرث » و « زيد بن عمرو بن نفيل » ، وتروي أنهم التقوا ذات يوم :

--> ( 1 ) من المهم هنا أن نلاحظ التفرقة بين « عرب » و « أعراب » سواء في المعاجم أم في الاستخدام القرآني ، فالعرب هم سكان القرى والأعراب هم سكان البادية ، بكل ما يترتب على ذلك من فروق اجتماعية وثقافية . ( 2 ) مختصر صحيح مسلم ، الجزء الأول ، ص 25 .