نصر حامد أبو زيد
56
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
كثيرة بين فاعل القول - المتكلم والموحي - وبين المتلقي الأول : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ « 1 » أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ « 2 » إن مهمة المتلقي الأول نقل الرسالة وابلاغها للناس لا مجرد تلقيها والعلم بمحتواها ومضمونها . إن مجرد التلقي والعلم بالرسالة لا يتجاوز مرحلة « النبوة » ، والابلاغ هو الذي يجعل من « النبي » رسولا . يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ « 3 » وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ « 4 » هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ « 5 » وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ « 6 » إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ « 7 » وكون « النص » بلاغا معناه أن المخاطبين به هم الناس جميعا ، الناس الذين ينتمون إلى النظام اللغوي نفسه للنص وينتمون إلى الإطار الثقافي الذي تعد هذه اللغة مركزه . إن مفهوم « التنزيل » هنا لا بد أن يفهم بوصفه تنزيلا إلى الناس عبر وسيطين : الأول الملك ، والوسيط الثاني محمد البشر . انها رسالة السماء إلى الأرض ، لكنها ليست رسالة مفارقة لقوانين الواقع بكل ما ينتظم في هذا الواقع من أبنية وأهمها البناء الثقافي . إن المطلق يكشف عن نفسه للبشر ، « يتنزّل » إليهم ، بكلامه عبر نظامهم الدلالي الثقافي واللغوي . ويمكن أن نضع هذا التحديد للنص على الوجه التالي :
--> ( 1 ) سورة الحاقة : الآية 44 . ( 2 ) سورة الطور : الآية 33 . ( 3 ) سورة المائدة : الآية 67 . ( 4 ) سورة الأنعام : الآية 19 . ( 5 ) سورة إبراهيم : الآية 82 . ( 6 ) سورة آل عمران : الآية 20 . ( 7 ) سورة الأنبياء : الآية 106 .