نصر حامد أبو زيد
53
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
جملته قرآنا كما سموا ديوانا وبعضه سورة كقصيدة ، وبعضه آية كالبيت وآخرها فاصلة كقافية « 1 » . لكن إذا كانت هذه الأسماء تمثل مخالفة خارجية ، فقد أطلق النص على نفسه اسما آخر يفصل بينه وبين التيار العام لحركة الثقافة فصلا واضحا . لقد أطلق على نفسه اسم « الكتاب » . وكانت المرة الأولى التي يرد فيها هذا الاسم في سورة « ص » وهي السورة رقم 38 من حيث ترتيب النزول « 2 » كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ . « 3 » ولا شك أن اطلاق هذا الاسم على النص لم يكن مجرد دلالة على « الانفصال » عن النصوص الأخرى ، فالحقيقة أن هذا النص هو أول نص دوّن في تاريخ الثقافة ، هذا بالطبع إذا استثنينا ما جاء في الروايات من تدوين « المعلقات » وتعليقها على جدران الكعبة . وإذا كان تدوين المعلقات مع افتراض صحته حادثة جزئية للاحتفال ببعض النصوص الممتازة ، فان الحرص على تدوين كل ما يستجد في النص من جانب النبي والمسلمين بعد ظاهرة جديدة في اطار ثقافة شفاهية تعتمد على النقل الشفاهي لمخزونها من النصوص . من هذه الزاوية يمكن أن نعتبر النص حلقة فاصلة في تاريخ الثقافة بين مرحلتين : مرحلة الشفاهية ومرحلة التدوين . وثمة دلالة أخرى هامة لاطلاق اسم « الكتاب » على النص ، وهي ترتبط بالوضع الديني في الجزيرة العربية قبل الاسلام ، فقد كانت صفة « أهل الكتاب » تقابل صفة « الأميين » تقابل التضاد والتناقض ، حيث تشير الصفة الأولى إلى اليهود والنصارى بينما تشير الثانية إلى مشركي العرب وعبدة الأوثان . ورغم ما يقوله ابن خلدون من أن علماء اليهود « كانوا بادية بالحجاز غفلا عن الصنائع والعلوم حتى عن علم شريعتهم وفقه كتابهم وملتهم » « 4 » فان مجرد كونهم أصحاب دين لهم كتاب كان يجعلهم يتمتعون باحترام « الأميين » . ويتبدى ذلك في أن السيدة خديجة حين أرادت أن تستيقن من حقيقة ما ظهر لمحمد بحراء أخذته إلى ورقة بن نوفل :
--> ( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 50 . ( 2 ) انظر في ترتيب النزول : الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 193 ، والسيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 10 - 11 . ( 3 ) الآية 29 . ( 4 ) المقدمة ، ص 333 .