نصر حامد أبو زيد
48
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
لغوي ، على حين أن حالة التحول من جانب جبريل تستلزم الاتصال اللغوي الذي عبر عن الوعي فيه باستخدام صيغة المضارع . وقد لا يتفق معنا ابن خلدون في القول بان الحالة الأولى - حالة الانسلاخ عن البشرية - يمكن أن تكون حالة الوحي بالسّنة ، بينما تكون الحالة الثانية - حالة تحول الملك إلى البشرية - خاصة بالوحي بالقرآن . والواقع أن ابن خلدون يرى هاتين الحالتين من حالات الوحي مرحلتين في تطور عملية الاتصال ، فيرى أن الشدة والغط لازما عملية الاتصال في بدء الوحي ، ثم مع التعود والألفة انتقلت عملية الاتصال في الوحي من مجرد الاعتماد على « السماع » بحاسة السمع إلى المشافهة الكلامية والاعتماد على حاسة « البصر » . ويعتمد ابن خلدون على هذا المفهوم للتفرقة بين المكي والمدني من القرآن : وقد يفضي الاعتياد بالتدريج فيه شيئا فشيئا إلى بعض السهولة بالقياس إلى ما قبله . ولذلك كانت تنزل نجوم القرآن وسوره وآية حين كان بمكة أقصر منها وهو بالمدينة . وانظر إلى ما نقل في نزول سورة براءة في غزوة تبوك وأنها نزلت كلها أو أكثرها عليه وهو يسير على ناقته بعد أن كان بمكة ينزل عليه بعض السورة من قصار المفصّل في وقت وينزل الباقي في حين آخر . وكذلك كان آخر ما نزل بالمدينة آية الدّين وهي ما هي في الطول بعد أن كانت الآية تنزل بمكة مثل آيات الرحمن والذاريات والمدثر والفلق وأمثالها . واعتبر من ذلك علامة تميز بها بين المكي والمدني من السور والآيات . « 1 » وإذا كنا سنعود في الفصول القادمة لمناقشة ما يطرحه ابن خلدون هنا ، فان الذي يعنينا من هذا النص في سياقنا هذا أن ابن خلدون في هذه التسوية بين حالتي الوحي وفي اعتبارهما مجرد مرحلتين زمانيتين ، يتخلى عن تفرقته الأساسية بينهما من حيث طبيعة الشفرة المستخدمة ، التي أشار إليها باسم « الرمز » في حالة انسلاخ النبي وباسم « الكلام » في حالة تحول الملك إلى البشرية . وإذا كان ابن خلدون قد فرق بين هاتين الحالتين من جهة أخرى على أساس أن حالة الانسلاخ إلى الملكية هي حالة « النبوة » - حالة الأنبياء غير المرسلين - وأن الحالة الثانية هي حالة الأنبياء المرسلين ، فهل يمكن لنا أن نفترض أن المرحلة المبكرة في الوحي كانت مرحلة « نبوة » فقط غير متضمنة للرسالة ؟ والحقيقة أن مثل هذا الافتراض يمكن أن يجد له سندا في بعض الآراء عند علماء القرآن الذين ذهبوا إلى أن بداية الرسالة كانت بالأمر بالانذار في سورة « المدثر » وأن ما سبقها من نصوص دالة على النبوة فقط . أول ما نزل للنبوة : اقرأ باسم ربك ، وأول نزل للرسالة : يا أيها المدثر « 2 » .
--> ( 1 ) ابن خلدون : المقدمة ، ص 99 . ( 2 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ص 24 .