نصر حامد أبو زيد
46
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
عن اختلاف مراتب الوجود . وكانت الإجابة أن ثمة تحولا يحدث في أحد طرفي عملية الاتصال حتى يمكنه الاتصال بالطرف الآخر : أحدهما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملائكة وأخذه من جبريل ، والثاني أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذ الرسول منه . والأول أصعب الحالين . « 1 » ومثل هذا التحول من مرتبة وجودية إلى مرتبة أخرى أمر مفهوم في اطار الثقافة العربية بناء على التصور الوجودي الذي سبق أن ناقشناه في الفقرة الثانية من هذا الفصل . وإذا كان علماء القرآن لم يميزوا بين حالتي التحول واكتفوا بوصف التحول من جانب محمد إلى مرتبة الملكية بأنه أصعب الحالين فان ابن خلدون يميز بين هاتين الحالتين ، ويربط بين كل حالة منهما وبين طبيعة الشفرة المستخدمة في الاتصال . إن حالة الوحي كما سبقت الإشارة حالة تتطلب استعدادا خاصا يكون في حالة الأنبياء استعدادا فطريا نابعا من الاصطفاء الإلهي لهؤلاء البشر . بهذا الاستعداد يمكن للنبي البشر أن ينسلخ من طبيعته ويتحول إلى الملأ الأعلى فيأخذ من الملك ما يوحيه اليه : فإذا توجهوا وانسلخوا عن بشريتهم وتلقوا في ذلك الملأ الأعلى ما يتلقونه عاجوا به على المدارك البشرية منزّلا في قواها لحكمة التبليغ للعباد ، فتارة يسمع أحدهم دويا وكأنه رمز من الكلام يأخذ منه المعنى الذي ألقي اليه ، فلا ينقضي الدوي إلا وقد وعاه وفهمه . وتارة يتمثل له الملك الذي يلقي اليه الوحي رجلا فيكلمه ويعي ما يقوله . والتلقي من الملك والرجوع إلى المدارك البشرية وفهمه ما ألقي عليه كله كأنه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر لأنه ليس في زمان بل كلها تقع جميعا فيظهر كأنها سريعة . ولذلك سميت وحيا ، لأن الوحي في اللغة الاسراع . واعلم أن الأولى وهي حالة الدوي هي رتبة الأنبياء غير المرسلين على ما حققوه ، والثانية وهي حالة تمثّل الملك رجلا يخاطب هي رتبة الأنبياء المرسلين ، ولذلك كانت أكمل من الأولى . وهذا معنى الحديث الذي فسر فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلم الوحي لما سأله الحارث بن هشام وقال : كيف يأتيك الوحي ؟ فقال : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليّ فيفصم عني وقد وعيت ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك فيكلمني فأعي ما يقول . وإنما كانت الأولى أشد لأنها مبدأ الخروج في ذلك الاتصال من القوة إلى الفعل فيعسر بعض العسر . ولذلك لما عاج فيها على
--> ( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ص 229 .