نصر حامد أبو زيد

100

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

الاتجاهات الرجعية على مجمل التراث ومساندتها للقوى المسيطرة على الواقع الاجتماعي والسياسي ، فان هذا الفصل في ثقافتنا المعاصرة ، وفي الخطاب الديني الرسمي على وجه الخصوص ، يرتد إلى أسباب مشابهة وان اختلفت الظروف الموضوعية ، إذ بالإضافة إلى سيطرة قوى التخلف على الواقع ومساندة الخطاب الديني لهذه القوى ، يستند الفصل بين النص والواقع إلى الاتجاهات الفكرية التي سيطرت على التراث معطيا لإيديولوجيته مشروعية تاريخية ، ومضيفا عليها قداسة تحرم الآخرين من حق مناقشتها ومواجهتها . 2 - كيفية التنجيم ويمكن أن نتلمس الانحراف الذي أصاب هذا الفهم لعلاقة النص بالواقع - على مستوى الفكر الديني - في مناقشة علماء القرآن لقضية كلامية محورها آيتان من القرآن ذاته هما : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ « 1 » إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ « 2 » وكان السؤال هو : هل كان الانزال المذكور في الآيتين انزالا لجملة القرآن كما يفهم من ظاهر النص ، أم أن المقصود بالانزال في الآيتين الابتداء بانزاله ؟ ورغم أن جذور هذا السؤال تكمن في خلاف ناقشناه في مكان آخر بين المعتزلة والأشاعرة حول قدم الكلام الإلهي وحدوثه ، فقد كانت السيادة لمفهوم « القدم » بوصف الكلام الإلهي - والقرآن من ثم - صفة من صفات الذات الإلهية ، لا فعلا من أفعاله كما ذهب المعتزلة « 3 » . وكان من شأن سيادة هذا المفهوم أن يؤدي إلى تصور وجود أزلي سابق للنص في اللوح المحفوظ . وكان من الطبيعي أن يكون « الانزال » المذكور في الآيتين هو الانزال من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا . ويترتب على ذلك أن النص نزل بطريقتين : الأولى أنه نزل « جملة » من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، والثانية ، أنه نزل « منجّما » من السماء الدنيا إلى الأرض مستجيبا للوقائع والأسباب . ورغم أن فهم « الانزال » المذكور في الآيتين بأنه « ابتداء الانزال » هو الفهم الذي يستقيم مع الواقع ، وأن ما سوى ذلك يقوم على مجرد الافتراض الذهني ، فان علماء القرآن يضعون الفهم الحقيقي بوصفه مجرد افتراض ويحولون الافتراض إلى حقيقة تساندها الروايات : واختلف في كيفية الانزال على ثلاثة أقوال : أحدها أنه نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 185 . ( 2 ) سورة القدر : الآية 1 . ( 3 ) انظر : الاتجاه العقلي في التفسير : ص 70 - 82 .