عدنان زرزور

87

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه

يدل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة الذي أشرنا إليه عند الكلام على الوحي وصوره في البحث السابق . غير أنه قد روى الشيخان عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال : ( سألت جابر بن عبد اللّه : أي القرآن أنزل قبل ؟ فقال : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فقلت : أو ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) . فقال أحدثكم ما حدّثنا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إني جاورت بحراء ، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي « 1 » ، فإذا هو جبريل ، فأخذتني رجفة ، فأتيت خديجة ، فأمرتهم فدثروني ، فأنزل اللّه : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنْذِرْ . . . » ) . ولكن هذه الرواية تشير في الواقع إلى أول ما نزل من القرآن بعد فترة الوحي ، بدليل ما رواه الشيخان أيضا من حديث جابر نفسه : « فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصري قبل السماء ، فإذا الملك الذي جاءني

--> يقول الأستاذ مالك بن نبي : « بينما ينفتح كتاب العهد القديم ، منذ السطر الأول في سفر التكوين ، على عالم الظاهرات المادية ، وينفتح كتاب العهد الجديد في إنجيل يوحنه على عملية التجسيد ، ينفتح القرآن على الجانب العقلي : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ . . . . اقْرَأْ . . . هذه هي الكلمة الأولى التي تفتح إليها أول ضمير إسلامي ، ضمير محمد ، ويتفتح لها بعده كل ضمير مسلم . إن الحروف هي حقا أداة النقل للروح ، لكل رسالة ، لكل بلاغ ، فهي الحامل والرمز لكل معلومة من المعلومات ، فأول ما نزل به القرآن يشير إلى أهميتها ، ويخصص موضوعها بالذكر ، ويرسم في الضمير الإسلامي قيمتها منذ اللحظة الأولى في كلمة اقْرَأْ . « إن الحرف ينقل ويبلغ الروح ، وفي نفس الوقت يحفظه من الضياع ، وسيحفظ أولا وقبل كل شيء القرآن نفسه ، ذلك الكتاب الذي لم يتغير فيه حرف واحد منذ أربعة عشر قرنا ، على خلاف كل الكتب الأخرى . . . » كتاب « إنتاج المستشرقين » للأستاذ مالك بن نبي رحمه اللّه ص 32 . ( 1 ) زاد في رواية : فنوديت فنظرت أمامي وخلفي ، وعن يميني وعن شمالي ، ثم نظرت إلى السماء .