عدنان زرزور
72
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
ثالثا - صدق ظاهرة الوحي : نكتفي في تأكيد هذه الظاهرة ، بالحديث عن جانبين اثنين تنطوي تحتهما جوانب فرعية كثيرة لا مجال هنا للإفاضة فيها ، والخروج بها إلى دائرة دلائل النبوة ، وهي دائرة واسعة كتب فيها الكثير في القديم والحديث : الجانب الأول - رحابة الموضوعات القرآنية : إن أدنى مقارنة بين شمول الموضوعات القرآنية وتنوعها ، وبين حياة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قبل البعثة لا تدع مجالا للشك في أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لم يكن إلا واسطة لعلم غيبي مطلق ! ولقد جاءت الآية القرآنية الكريمة تشير إلى هذا الشمول والتنوع بقوله تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ سورة الأنعام ، الآية 38 ] . وجاءت الآية الأخرى تخاطب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 ) [ سورة العنكبوت ، الآية 48 ] . وتأمره الآية الثالثة أن يقول : قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 16 ) [ سورة يونس ، الآية 16 ] . إن جميع معارف عصر نزول القرآن - لا معارف النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ومعارف بيئته - ومعارف عصور لا حقة لا تمثل شيئا من شمول المعارف القرآنية وتنوعها وعمقها . بل تصحيحها وتقويمها لتلك المعارف الإنسانية حتى ما كان منها سابقا لعصر نزول القرآن ! فإن لم يكن هذا وحيا فأيّ شيء يكون ؟ يقول الأستاذ مالك بن نبيّ - رحمه اللّه - : « إن العبقرية الإنسانية تحمل بالضرورة طابع الأرض حيث يخضع كل شيء لقانون الزمان والمكان ! بينما يتخطى القرآن دائما نطاق هذا القانون ليشير من خلال رحابة موضوعاته إلى أن الذات المحمدية لم تكن إلا واسطة لعلم غيبي مطلق » !