عدنان زرزور

40

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه

تختلف أساسا في الطرق المختلفة للتفكير ، أو في مجموعة المعاني التي يعبر عنها خلال اللغة ، فلكل ثقافة مفاهيمها الخاصة بالحياة والعالم ، وتنعكس هذه المفاهيم على طبيعة لغتها . يقول الأستاذ العلّامة فيليب ه . فينكس : « ومن خلال اللغة يسهم الفرد في المعاني الحيوية للثقافة . والسبب الأساسي لتعلم اللغات الأجنبية أن يستطيع الفرد فهم الثقافات التي تمثلها هذه اللغات فهما حقيقيا ومن الداخل . فدراسة اللغة اللاتينية لا تستهدف تدريب العقل ولا مساعدة الفرد على فهم أفضل للّغة الإنكليزية فحسب . . . ولكن الهدف الأساسي من هذه الدراسة أن تقدم للفرد معنى الحضارة الرومانية ، ذلك الكلّ المعقد الغريب من التقاليد والقوانين والمفاهيم التي أتاحت لقرون عديدة بعض الأساس للأمن والوحدة لشعوب عديدة يائسة . ودراسة اللغة اليونانية القديمة تربط الفرد ربطا وثيقا بحضارة تقوم على تأمل فلسفي عميق ، وتتميز بالمسرحية والتاريخ ، وبديمقراطية سياسية ذاتية ، وبخلق فني جبار . . . إلخ » « 1 » . والذي نود تقريره هنا : هو القول بأن دراسة اللغة العربية تقدم للفرد معنى الحضارة الإسلامية ، وتربطنا ربطا وثيقا بهذه الحضارة التي تقوم على مبدأ الإيمان العميق بالإله الواحد جل وعلا ، وتنبني على قواعد من التوازن والشمول والإيجابية ، وتدور على مبررات إنسانية قوامها روح المساواة بين الأفراد وبين الأمم والشعوب . فإذا علمنا أن هذه المبررات وتلك القواعد إنما جاء بها القرآن الكريم ، وأضفنا إلى ذلك ما قدمناه في الأثر الموضوعي السابق ، أدركنا معنى صدور الحضارة العربية والفكر الإسلامي عن القرآن ، واستطعنا من خلال ذلك : التقدم لإيراد بعض الأمور الشارحة والموضحة لهذه الحقيقة الكبيرة :

--> ( 1 ) فلسفة التربية ص 652 .