عدنان زرزور
34
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
ولكنها على ذلك متقاربة في أوضاعها وتصاريفها وحركات إعرابها ، ولم تكن المغايرة بينها تخرجها - على كل حال - عن اعتبارها في الأصل لغة واحدة ذات قوانين تطرد في جميعها ، ما عدا لغة حمير فإنها تخالف لغة مضر خلافا ظاهرا ، ولا توافقها في أكثر أوضاعها ومقاييسها « 1 » . وإلى جانب هذا الاختلاف من حيث هيئة النطق وما إليه مما يسمى باللهجة ؛ فقد كان هنالك اختلاف لغوي آخر من حيث معاني الكلمات ، على نحو ما ذكر السيوطي في كتابه « المزهر » وأكده ببعض القصص ، على بعد بعضها وغرابته ! ! وعلى أية حال فقد قضى القرآن الكريم حين نزل بلغة قريش على هذا التناكر والاختلاف ، وجمع العرب على هذه اللهجة - أو اللغة - على المدى البعيد ، وقد قيل في لغة قريش : إنها كانت أفصح اللغات وأعذبها لأنها صقلت بحياة الحضر ، وبكثرة الاختلاط بالقبائل العربية ، نظرا لمكانة قريش الدينية والتجارية في جزيرة العرب ، وقد كانت هذه اللغة يومئذ أوسع اللغات انتشارا في الجزيرة ، وكان الناس يقبلون عليها ويستريحون إليها أكثر من غيرها . ويوجز الشيخ العلامة محمد الخضر حسين أسباب تفضيل لغة قريش عن سائر لغات العرب ، واعتبارها أفصح هذه اللغات ، بوجهين : أحدهما : بعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم . ولهذا لم يحتجّ أهل الصناعة العربية إلا بلسانهم أو ما كان قريبا منه ، ولم يعتمدوا لغات القبائل التي
--> ( 1 ) اللغة العربية ( لغة مضر أو عرب الشمال في نجد ) هي إحدى اللغات الأعرابية التي يقال لها خطأ : « اللغات السامية » . وإذا نظرنا في تمام القاموس العربي وفي كمال الصرف والنحو ، وجب أن نعدّ اللغة العربية أمّا للغات الأعرابية جمعاء . وهذه اللغات هي : العربية والحميرية والعبرية والآرامية والبابلية وأخواتها . وسماها الدكتور فروخ أعرابية ، لأنها كلها نشأت في شبه جزيرة العرب . راجع كتاب : عبقرية اللغة العربية للأستاذ الدكتور عمر فروخ رحمه اللّه ، ص 7 دار الكتاب العربي - لبنان 1981 .