عدنان زرزور
31
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
يقول ساطع الحصري : « ومما يجب أن لا يغرب عن البال أن اللغة العربية ، بعد أن أصبحت لغة الجميع في هذه البلاد الشاسعة ( المشار إليها في الفقرة السابقة ) تعرضت إلى محن خطيرة ، مدة قرون طويلة ، بسبب ما طرأ على العالم العربي من التفكك السياسي ، والجمود الفكري والاجتماعي ، والانحطاط الثقافي ، لأن كل ذلك كان من شأنه أن يؤدي إلى انحلال الروابط المادية والمعنوية بين مختلف الأقطار العربية ، ويفسح مجالا واسعا لتغلب العامية ، ويطلق العنان للهجات المحلية . ولذلك أصبحت اللغة العربية معرضة لخطر التفكك التام ، والتفرع إلى لغات عديدة يختلف بعضها عن بعض اختلافا كبيرا ، لا يترك مجالا لتفاهم المتكلمين بها . . . وذلك مثلما حدث للغة اللاتينية » « 1 » . ثم يقول : « ولكن القرآن وقف سدا منيعا أمام هذه الأخطار الجسيمة ، وحال دون استشراء هذا التفكك ، وذلك لكونه عربيا ، ولكون الديانة الإسلامية تفرض على جميع المسلمين والمسلمات حفظ طائفة من آياته ، وتلاوتها كل يوم عدة مرات خلال الصلوات » . ونستطيع أن نقول في التعقيب على هذا الموضوع - بكلمة عابرة - : إن الدعوات المشبوهة إلى العامية - التي أرّخت لها بدقة الدكتورة نفوسة زكريا في كتابها : تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر « 2 » - سيكون نصيبها الفشل المحقق ، لا نقول هذا رجما بالغيب ، ولكن بالنظر إلى التاريخ الذي تحدثنا عنه
--> يعارض ما قدمناه ، ولكن ذلك الضبط لم يكن في وسعه حماية اللغة العربية من تلك الأخطار لولا وجود القرآن الكريم نفسه . ومعنى ذلك أن القرآن الكريم كان « باعثا » على ذلك الضبط ، و « حافظا » لهذه اللغة . ( 1 ) ما هي القومية ؟ ص 207 ويضيف الحصري : « وغني عن البيان أنه لو حدث ذلك ، لأدّى حتما إلى انشطار الأمة العربية إلى أمم مختلفة ، ولما بقي على البسيطة شيء يستحق التسمية باسم القومية العربية » . ( 2 ) طبع منشأة المعارف بالإسكندرية .