عدنان زرزور
29
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
ولا يحسن إنهاء هذا الحديث الموجز عن القوة الدافعة التي أصابتها اللغة العربية بفضل القرآن الكريم ، قبل الإشارة إلى أنه لا يصح تفسير هذا المد الهائل الذي أصابته اللغة العربية بغير عوامل جلال القرآن ورسالته ، وعامل حب هذه اللغة وتفضيلها على اللغات المحلية الخاصة السابقة لدخول أصحابها في الإسلام ، ولهذا فإن من فساد الرأي ما ذهب إليه بعض المغرضين من أن اللغة العربية اعتمدت في انتشارها على السلطة الحاكمة ، أو السلطة الغازية ، لأن هذه المنطقة غزيت قبل الإسلام وأيّدت لغة الغازي بالسلطة السياسية ، لكن الشعوب المغلوبة رفضتها متشبثة بتراثها ولغتها ، وبقيت متشبثة بها حتى دخول الإسلام ، ثم تم هذا التخلّي بعد ذلك في ظل القرآن ، وغير بعيد في الوقت نفسه عن قوانين علم الاجتماع ، تقول الأستاذة الدكتورة عائشة عبد الرحمن : « ولم يكن موقف الشعوب من لغة القرآن أن فرّطت في ألسنتها فجأة ، أو أكرهت على التخلي عنها بحد السيف ، كما ذهب المؤرخ ( فيليب حتى ) في تاريخه الكبير ، ولا صدرت قوانين ملزمة به من الدولة ، وإنما مر الصراع اللغوي في مراحله الطبيعية التي تحكمها سنن الاجتماع ، فبدأ بمرحلة عزلة تفاوتت بين قطر وآخر باختلاف طبيعة الإقليم قربا وبعدا ، وميراثه الفكري والحضاري ومسلكه الصوتي واللغوي . . . » ثم تقرر أن هذه « المرحلة اللغوية لم تطل ، والقرآن الكريم هناك يفتح للعربية قلوب من أسلموا » « 1 » . وتقول في التعقيب على انتصار العربية على اللغات الأجنبية المفروضة على المنطقة - الرومانية واليونانية والفارسية والبيزنطية - ثم في مواجهتها للّغات الوطنية : « وكان من المتصور أن تجمع هذه الشعوب بين العربية لغة دين ، وبين لغاتها القومية التي صانتها طويلا ضد الغزو ، لغة حياة ، ولكن لم يمض جيل أو جيلان
--> ( 1 ) كتاب : لغتنا والحياة ، للدكتورة بنت الشاطئ .