عدنان زرزور
20
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
أشار ابن تيمية رحمه اللّه في هذا الكلام الناصع إلى مزية اللسان العربي على كل لسان - المسألة التي عرضنا لها في النقطة السابقة - كما أشار إلى مدى المواءمة والتوافق بين الكمال بالقوة أو الكامن في فطرة العرب ، وكمال القرآن - والشريعة - الذي أنزله اللّه تعالى فيهم ، أو بعبارة أخرى : مدى المواءمة والتوافق بين العرب ورسالة الإسلام . أو بين مواهب العرب وخصائص الإسلام . ونحن لا نشك في أن نزول القرآن ورسالة الإسلام في العرب ، واختيار خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام منهم ، كان بسبب ما تمتعوا به من الصفات النفسية والذهنية ، وما عرفوا به من الفضائل الحميدة ، والصفات الكريمة ، كالصبر والصدق والكرم والشجاعة والأمانة وصلة الرحم والدفاع عن المظلوم والوفاء بالوعد . . . إلخ فضلا عن تأثرهم الشديد بالكلام وما ينطوي عليه من أسباب البلاغة والبيان . وعلينا أن نلاحظ هنا ، شرحا لهذه النقطة ، وتعقيبا على تفريقنا المشار إليه بين المواهب والفطرة والاستعداد - أو الكمال بالقوة المخلوقة في العرب بحسب عبارة شيخ الإسلام - ( والواقع ) الذي كان عليه القوم عند بعثة النبيّ ونزول القرآن . . علينا أن نلاحظ أن جزءا كبيرا من هذا ( الواقع ) السّيّئ أو الفاسد إن لم يكن الجزء الأكبر والأهم ، كانت دوافعه نبيلة ، ومقاصده حسنة ! وإنما لحقه الخطأ والفساد من اختيار الطرق والوسائل ، أو من المغالاة التي قد توقع صاحبها في أسوأ مما كان يحذر ؛ كوأد البنات خشية العار على سبيل المثال . ومن المعلوم أن من أسوأ أعمال العرب في الجاهلية : معاقرة الخمر ، ولعب الميسر والقمار . وإنما حملهم على هاتين الخلّتين : الجود والكرم ، والرحمة بالفقراء والمساكين . أما الخمر فقد أطنب الشعراء في مدحها لأنها تعلّم الخروج عن المال ، وتعوّد على البذل والسخاء ، وأما المسير فكان الفائز أو الرابح لا يأخذ من الإبل التي جرت عليها المقامرة شيئا ! بل يجعل لحومها للفقراء والمساكين . وهذه هي المنافع التي